العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٣٩
و كذلك لا يصحّ النّسخ به، لأنّ من شأن النّاسخ أن يكون دليلا شرعيّا متأخّرا عن المنسوخ، و ذلك لا يتأتّى في الإجماع على مذهبنا، فجرى ذلك مجرى أدلّة العقل الّتي لا يجوز النّسخ بها على ما مضى القول فيه.
فأمّا على مذهب الفقهاء فلا يجوز أيضا نسخه، لأنّه دليل قد استقرّ بعد ارتفاع الوحي، و معلوم أنّ بعده لا يصحّ النّسخ، فيجب امتناع النّسخ فيه«».
و كذلك لا يصحّ النّسخ به، لمثل ما قلناه نحن، من أنّ من شأن النّاسخ أن يكون متأخّرا عن المنسوخ، و الحكم إذا كان ثابتا فلا يجوز أن يجمع الأمّة بعد ذلك على خلافه، لأنّ ذلك يؤدّي إلى بطلان الإجماع«».
فأمّا إذا أجمعوا على شيء ثمّ ورد الخبر بخلافه، نحو إجماعهم على أن «لا غسل على من غسّل ميّتا» على مذهبهم. «و لا وضوء على حامله» [١] و قد وردت السّنّة به [٢]، فإنّما يستدلّ بالإجماع على أنّ الخبر غير صحيح و لا يجب قبوله.
و أمّا أن يكون منسوخا به فلا«»، و إنّما قالوا ذلك: لأنّه لو كان صحيحا لما أجمعت الأمّة على خلافه، لأنّهم يتّبعون الأدلّة و لا يخالفونها، أو يستدلّ بالإجماع على أنّه نسخ بغيره لا به نفسه.
فإن قيل: فهل يجوز أن ينسخ إجماعهم على قولين بإجماعهم على أحدهما؟
[١] قال ابن قدامة في [المغني ١: ٢٤٣، فصل ٢٩٧]: «و لا يجب الغسل من غسّل الميّت، و به قال ابن عبّاس، و ابن عمر، و عائشة، و الحسن، و النّخعي، و الشّافعي، و أبو ثور، و ابن المنذر، و أصحاب الرّأي».
[٢] قال ابن قدّامة (المغني ١: ٢٤٣ رقم ٢٩٧): «و عن عليّ و أبي هريرة أنّهما قالا: «من غسّل ميتا فليغتسل»، و به قال سعيد بن المسيّب، و ابن سيرين، و الزّهري، و اختاره أبو إسحاق الجوزاني لما روي عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «من غسّل ميتا فليغتسل، و من حمل ميّتا فليتوضّأ»، قال الترمذي: هذا حديث حسن».