العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٠٨
و ليس هذا موضع الكلام في النبوّة، فكنّا ندلّ عليه و هو مذكور في كتب الأصول مستقصاة.
و الّذي يدلّ على جواز النّسخ من جهة العقل هو: أنّه ثبت أنّ العبادات الشّرعيّات تابعة للمصالح، و لكونها ألطافا في الواجبات العقليّة، و لو لا ذلك لما وجبت«»على حال.
و إنّما قلنا ذلك: لأنّ الشّيء لا يجب بإيجاب موجب، و إنّما يجب لصفة هو عليها تقتضي وجوب الشّيء، و إنّما يدلّ إيجاب الحكيم له على أنّ له صفة الوجوب، بأن«»يصير واجبا بإيجابه، لأنّ إيجاب ما ليس له صفة الوجوب يجري في القبح مجرى إيجاب الظّلم و القبيح أو إباحتهما، و قد علم قبح ذلك.
و إذا ثبت هذه الجملة فلا يخلو وجه وجوب هذه العبادات أن يكون عقليّا، أو ما ندّعيه من كونها مصالح و ألطافا، فلو كان وجه وجوبها عقليّا لوجب أن يعلم بالعقل وجوب هذه العبادات، و كما علم وجوب جميع الواجبات العقليّة من وجوب شكر المنعم، و ردّ الوديعة، و قضاء الدّين، و الإنصاف، و غير ذلك لما كان وجه وجوب هذه الأشياء بيانا في العقل، و قد علمنا أنّا لا نعلم بالعقل وجوب الصّلاة، و لا الزّكاة، و لا الصّوم، و لا غير ذلك من العبادات الّتي جاءت الشّرائع بها، بل لا يحسن فعلها بالعقل، و إذا بطل أن يكون وجه وجوبها عقلا، ثبت أنّها إنّما تجب لكونها ألطافا و مصالح.
و إذا ثبت ذلك، فلا يمتنع أن تتغيّر المصالح، فيصير ما كان داعيا إلى فعل الواجب صارفا عن فعله، أو يصير داعيا إلى فعل القبيح، و ما يكون مصلحة لزيد لا يكون مصلحة لعمرو، و ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة في وقت آخر، و ذلك يوجب النّسخ، و إلاّ قبح التّكليف.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون وجه وجوب هذه العبادات هو أنّ لنا فيها ثوابا،