العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٩٧
و إنّما يقبح ذلك لا لأنّه يدلّ على البداء، لكن لأنّه تكليف ما لا يطاق، و لأنّ ما يصحّ أن تفعله في وقت، لا يصحّ أن تفعله في وقت آخر، لاختصاص مقدور القدر بالأوقات على ما دلّ عليه الدّليل.
و إنّما جعلنا المأمور هو المنهيّ، لأنّه لو صحّ كون المقدور الواحد لقادرين لم يمتنع أمر أحدهما به و نهى الآخر عنه على بعد ذلك.
و إنّما قلنا إنّ ما اجتمعت فيه هذه الشّرائط لا يجوز على القديم تعالى، لأنّا قد بيّنا أنّ اللَّه تعالى إنّما يأمر العبد بالشّيء لتعلّق مصلحته به، و ينهاه لتعلّق المفسدة به، و محال في الشّيء الواحد، في الوقت الواحد، أن يكون مصلحة و مفسدة.
و أمّا نسخ الشّريعة فمخالف لما قدّمناه، لأنّا قد بيّنا في حدّه أنّه إسقاط الحكم الّذي تناوله النّص المتقدّم على وجه لولاه لكان ثابتا به مع تراخيه عنه، و ذلك يقتضي أنّ المأمور به غير المنهيّ عنه، و أنّ وقت المنه يّ عنه غير وقت المأمور به.
و قد بيّنا أيضا الفرق بين النّسخ و التّخصيص«»، و ذكرنا أنّ تخصيص العموم هو: «ما دلّ على أنّه لم يرد به إلاّ بعض ما تناوله اللّفظ»، و أنّه لا يصحّ دخوله فيما لم يتناوله لفظ العموم، و النّسخ بخلافه، و بيّنا أيضا أنّ شروطهما و أحكامهما تختلف، لأنّ النّسخ يصحّ فيما لا يصحّ التخصيص فيه، و يصحّ التّخصيص فيما لا يصحّ النّسخ فيه، و ذلك واضح.
و الّذي يعتمد في هذا الباب أنّ النّسخ و التّخصيص جميعا يتناولان الأفعال دون الأعيان و الأوقات و الأحوال، على خلاف ما يدّعيه بعض من يتكلّم في هذا الباب، لأنّ التّخصيص يدلّ على أنّه لم يرد بالعموم ما لولاه لكان يدلّ على أنّه مراد، و كذلك النّسخ. و الّذي يريده المخاطب الحكيم هو الأفعال دون الأعيان و الأوقات، لأنّ الأعيان لا يصحّ أن تراد، و الأوقات لا يحتاج إلى إرادتها، لأنّها ليست متعلّقة بالتّكليف، و كذلك الأحوال، فإذا صحّ هذا صحّ ما قلناه.