العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٩٦
و ذكر سيّدنا الأجلّ المرتضى رحمه اللَّه«»وجها آخر في ذلك و هو أن قال:
«يمكن حمل ذلك على حقيقته، بأن يقال: «بدا له تعالى» بمعنى أنّه ظهر له من الأمر ما لم يكن ظاهرا له، و بدا له من النّهي ما لم يكن ظاهرا له، لأنّ قبل وجود الأمر و النّهي لا يكونان ظاهرين مدركين، و إنّما يعلم أنّه يأمر أو ينهى في المستقبل.
فأمّا كونه آمرا أو ناهيا، فلا يصحّ أن يعلمه إلاّ إذا وجد الأمر و النّهي، و جرى ذلك مجرى أحد الوجهين المذكورين في قوله تعالى و لنبلونّكم حتّى نعلم المجاهدين منكم«»بأن نحمله على أنّ المراد به حتّى نعلم جهادكم موجودا، لأنّ قبل وجود الجهاد لا يعلم الجهاد موجودا، و إنّما يعلم كذلك بعد حصوله، فكذلك القول في البداء»«». و هذا وجه حسن جدّاً.
و أمّا ما لا يجوز إطلاقه عليه تعالى، هو أن يأمر تعالى المكلّف بنفس ما نهاه عنه، على الوجه الّذي نهاه عنه، في الوقت الّذي نهاه عنه.
و إنّما شرطنا هذه الوجوه كلّها، لأنّ المنهيّ عنه لو كان غير المأمور به لم يمتنع أن تقتضي المصلحة الأمر به و النّهي عن مثله، و كان لا مدخل له في البداء، و لأنّ النّهي لو تعلّق به على غير الوجه الّذي تناوله الأمر كان حسنا، نحو أن يأمر اللَّه بالصّلاة على وجه العبادة له تعالى، و ينهى عنها على وجه العبادة للشّيطان.
و إنّما شرطنا الوقت الواحد، لأنّ المأمور به في وقت لو نهى عنه في وقت آخر و صحّ وقوعه لكان ذلك حسنا في الحكمة، كما يصحّ أن يحسن من اللَّه تعالى فعل الجسم في بعض الأوقات، و إن كان لو فعله بعينه في وقت آخر و قد أفناه لم يمتنع أن يكون قبيحا.