أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٩٨ - القول في طبيعة البدن
مرضه دائما مهما هو[١] حيّ و انما الفضيلة لأهل هذه الصناعة و لافاضل الناس الذين يقتدون رأي الافاضل من الاطباء هي انهم يختارون من كل واحد من هذه اوفقه و انفعه و لا يستعملون منه إلا ما لا بد من استعماله للبقاء بالشخص او بالنوع و مثال ذلك ما يستعمل لبقاء الشخص المأكول و المشروب و ساير تلك الامور الطبيعية المقدم شرح عيونها فان الفاضل لا يأكل الا ما حاجته اليه ماسة و في الوقت الموافق و المقدار الكافي و كذلك ما يشربه و كذلك يفعل في[٢] ساير اعماله و حركاته و سكونه و نومه و يقظته و بالجملة ساير ما يدعوه الطبع الى استعماله فان فضيلته في ذلك هو الا يأخذ منه بحسب اللذة لكن بحسب الحاجة فانه من اقبح الامور ان تكون البهائم لا تستعمل من هذه الأمور الا بحسب حاجتها و يكون من يرى بنفسه انه عاقل يستعمل منه فوق حاجته، و اشد من ذلك قبحا من يجهد في الوصول منها الى ما فوق طاقته كالذين يتخذون المعاجين[٣] و الجوارشنات[٤] ليقوون من الجماع على المقدار الكثير و هذا للانسان مهلك و أشباهه، و مع ذلك قبيح بالعقلاء فانه أعظم قبح و أسمج بالطبيب المدعي تدبير الخواص و العوام من الناس، فاستعن ايها الحبيب على طبعك بعقلك و على التفهم قلة بصيرتك بمنافعك بقراءة كتب المتقدمين و على التفهم لأقاويلهم بلقيا الخبيرين بها لتزداد بذلك علما و تقدر على العمل المحمود فبالعمل مع العلم تنل الصالحات و تبلغ الخيرات. و أرى انه من الصواب بعدما قدمته من هذه الجمل ان أذكر جملا من الوصايا التي تحث الطبيب على ما يصلح بقية اعضاء البدن الكبار و يستدل بها على اصلاح باقي الاعضاء ثم اتبع ذلك بوصف سيرة الطبيب كيف ينبغي ان يكون و كيف يرتب تدابيره لجسمه يوما يوما سائر ايام حياته و بذلك يتم هذا الباب.
[١] وردت في الاصل( هو) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( من) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] المعاجين- كثيرة منها المعجون الرومي و ينفع من السموم، و معجون الفلاسفة المعروف باسم مادة الحياة و ينفع للحفظ و المذاكرة، و المعجون المقرح و ينفع لامراض القلب.
[٤] الجوارشنات- خليط من الادوية تؤخذ اثناء تناول الطعام او بعيدة لأثارة الشهية للأكل و تسهيل الهضم في المعدة.