أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٨٢ - القول في الأعراض النفسانية
الشهوانية منهما لأجل اللذة المقرونة بها فلذلك وجب ان يكون للذة وقت محدود و قدر معتدل، و متى جاوزت ذلك المقدار ضرت و أمرضت و لذلك صارت النفس العاقلة هي المصلحة لهذا الفساد بتقديرها و تحديدها اوقاتا[١] للفعل و مقاديره، اذا كان الأمر كذلك فيجب ان تعلم فعل كل نفس من هذه الأنفس على انفراد اولا بغير معونة من النفسين [الاخريين[٢]] ثم ما تفعله بمعونة. فالنفس الناطقة فعلها على الانفراد هو وجود اتفاق الاشياء و اختلافها. و مثال ذلك انها اذا سمعت قولين وقفت على ائتلافهما من اختلافهما و عرفت الحق من الباطل. و اما فعلها بمعونة غيرها لها فهو أنها اذا رأت النفس الشهوانية قد افرطت في بعض حركاتها استنجدت بالنفس الغضبية و هي الحيوانية لان لهذه النفس الجلد و البطش و لولا هما ما يمكن النهوض بنقل و لا البلوغ الى غاية. و جالينوس يقول ان هذه النفس أعني الغضبية جوهرها هو الحرارة الغريزية و هذا قوله بلفظه، قال جالينوس: و جوهر هذه القوة التي يقوى بها الانسان على الصبر و الثبات في الاعمال فيما أرى الحرارة الغريزية لان حركة الحرارة الغريزية كلما كانت أقوى كان الانسان أحر او كما ان البرد يورث الكسل و السكون و الضعف كذلك الحرارة تورث النشاط و الحركة و القوة على الفعل و لذلك صار الشباب و الخمر يبعثان الانسان على الحركة و البطش و الشيخوخة و الادوية الباردة يورثان الكسل و الضعف فان تمادى بهما الزمان ابطلا الافعال و الحركات.
فاذن اعتدال النفس الناطقة هو ان تكون ذكية كثيرة الفهم و الحفظ مشتاقة الى الافعال الجميلة و خروجها عن الاعتدال هو ما قاله جالينوس من أضداد هذه. قال جالينوس: لا بد ان كانت النفس الناطقة بليدة قليلة الفهم و الحفظ غير مشتاقة الى الافعال الجميلة و كانت النفسان البهيميتان قوتين عسرتي الأنقياد لم يكن[٣] ان تعتدل، فقد تحتاج اذن ان تكون النفس الناطقة محبة للجميل مشتاقة الى الحق عارفة باتفاق الأشياء و اختلافها و ان تكون النفس الغضبية و هي الحيوانية قوية سلسة الانقياد، و تكون النفس الشهوانية و هي النباتية ضعيفة لان هذه النفس غير منقادة للنفس الناطقة كما وصفها فلاطن و شبهها بسبع ضار[٤] و قال إن الذي يحتاج اليه من النفس النباتية ضعفها لا أدبها لئلا تمنع النفس
[١] وردت في الاصل( اوقات) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( الاخرايين) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( تكن) و الصحيح ما اثبتناه.
[٤] وردت في الاصل( ضارى) و الصحيح ما اثبتناه.