أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٧٩ - القول في النوم و اليقظة
القول في النوم و اليقظة
و مما ينبغي ان ينظر فيه من أمر النوم و اليقظة هو ان يعلم ما الذي يفعله كل واحد منهما في أجسام الأصحاء ثم من المرضى ليقدر لكل بدن من ابدان الحيوان بحسب حاله المقدار الكافي الموافق في حفظ الصحة و في معالجة المرض لان النوم أحد الأمور الطبيعية التي لا قوام لصحة الانسان الا به فلذلك له وقت محدود فيما بين الأمور الطبيعية و زمان معلوم.
بيّنه الجليل بقراط في المقالة السادسة من كتاب أبيديميا فقال: التعب و الطعام و النوم و الجماع ينبغي ان تستعمل كلها بالقصد، قال جالينوس ان قوله بالقصد هو أشارة الى تحديده مقاديرها لشخص شخص و لذلك صار النوم يوجد في ساير اسنان الناس بالطبع.
فيقول ان من لطف الباري تعالى بالحيوان انه جعل له النوم و الراحة لجسمه و ليعود الى البدن به عوض ما تحلل منه في اليقظة[١] و ذلك ان اليقظة تنتشر معها الحرارة الغريزية الى ظاهر البدن و الى ساير اقطاره و ينشط معها الدم الذي هو مركبها و ينشره في البدن فيتحرك الحيوان بقوة الحرارة لا عماله و معيشته و كلما تحرك تحللت في بدنه من الرطوبات جزء بعد جزء و ما يكسبه ذلك يبسا و لو دامت عليه الحركات و اتصلت اليقظة لأفرط اليبس على بدنه و هلك فلذلك جعل اللّه تبارك و تعالى ازمان النوم بين أزمان اليقظة لتجتمع الحرارة في وقت النوم الى باطن البدن فتستولي البرودة على ظاهره و تسترخي اعضاء الحيوان و تعطل حواسه فيسكن من اعماله و تأخذ الحرارة في هضم اغذيته و اصلاح رطوباته ليوافق الأعضاء فيأخذها بقوتها الجاذبة فيترطب بها و يكون ذلك خلف ما تحلل، و تقوى ايضا بالنوم القوة الماسكة و القوة المغيرة و القوة الدافعة. و معلوم ان بصلاح هذه القوى الاربع وجودة افعالها يكون البدن صحيحا و افعاله مستقيمة و ايضا فان النوم مع ما[٢] انه يقوي القوى الطبيعية فانه يضعف القوى النفسانية لان الحواس و قوى العقل فيه تضعف لامتناعها من أعمالها فاذا كان ذلك كذلك فقد يجب على الطبيب اذا علم ذلك ان يعلم المقدار من النوم و اليقظة لكل انسان اذ كان لكل انسان منهما مقدار طبيعي بحسب مزاجه و عادته و أعماله و أغذيته و بحسب السن و الفصل و حال الهواء فاذا خرج احدها[٣] عن حاله الطبيعية في كميته او
[١] وردت في الاصل( اليقضة) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( معما) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( احدهما) و الصحيح ما اثبتناه.