أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٦٩ - القول في المأكول
هذين الوقتين ان يكون ما يتناول من الأغذية اكثر و ذلك ان الحار الغريزي في الأبدان في هذين الوقتين كثير و لذلك يحتاج الى غذاء كثير و الدليل على ذلك الأسنان (و الضريعين) و ايضا مما هو ضروري من علم زمان الغذاء هو معرفة اوقات التغذية الجزئية أعني التي ينبغي ان يتغذى فيها من اليوم و الليلة مثلا و كم مقدار الزمان بين الغذائين، فان معرفة ذلك انما يكون من جهة المغتذي و سرعة هضمه و نقاء معدته من الغذاء الأول و من اخلاط مفسدة و لكثرة الزايدة، و قد أجمل ذلك بقراط من قوله هذا في أبيديميا[١] في المقالة السادسة منه حيث رتب الغذاء بعد الرياضة و قبل النوم فقال: التعب و الطعام و النوم و الجماع ينبغي ان تستعمل كلها بالقصد و مع ترتيبه له الترتيب الطبيعي، نيّة في قوله بالقصد عن الاجتهاد في تقدير كميته لكل مغتذ[٢] قال بقراط: البدن الذي ليس بالنقي كلما غذوته إنما تزيده شرا. و لان من المأكولات ما كثيرها يغذو غذاء قليلا كالبقول. و منها ما قليلها يغذو غذاء كثيرا كلحوم الحيوان و ما صلب من الحبوب، و منها ما هي متوسطه بين ذلك كلحوم الجداء و الفراريج و الدراج و أمحاح البيض و ما شاكل ذلك، فلذلك يجب ان يعنى بعلم ذلك ليستعمل منه الأوفق بحسب الحاجة. و ايضا لأن من المأكولات ما يسرع اليه الفساد لاستحالتها سريعا و منها ما يبطي فسادها لصلابتها فلذلك يجب ايضا علم ذلك على الطبيب ليرتب الغذاء بحسب ذلك و بحسب حال المعدة فان على اكثر الامر ينبغي ان تقدم الاغذية السريعة الأستحالة قبل البطيئة النضج ليسهل نفوذ الصلبة و ايضا لئلا تفسد ان قدمت على السريعة فان تقديم أكل البطيخ و المشمش و ما شاكلها على الخبز و المأكولات الأخر أحمد و لذلك صار أكل أمثال هذه بعد الطعام مفسد للطعام و المعدة و الأخلاط[٣] و لا تهمل مع جميع ما قدمته لك النظر في الاسنان و النخر و البلدان و العادات و الأعمال و الحالات فان علم جميع ذلك واجب ضرورة على كل من أحب اصابة الطريق المحمود في تغذيته لجسمه و لغيره، فتدبر بذلك و قس عليه.
[١] كتاب الابيديميا- من مؤلفات ابقراط. و يعرف عند العرب باسم كتاب الامراض الوافدة، و هو بسبع مقالات في امراضها و بخاصة منها مرض النكاف و مرض حمى النفاس. قد فسره جالينوس و ترجمه حنين بن اسحاق( ابن أبي اصيبعه ص ٢٧٤).
[٢] وردت في الاصل( مغتذي) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] للاطباء العرب كتب و مؤشرات في ترتيب تناول الاطعمة بما يطابق ما اورده الرهاوي في هذا الباب، و كذلك بما هو متبع في كثير من البلاد المتقدمة في الزمن الراهن حيث يكون تناول بعض الفاكهة قبل تناول وجبات الطعام الرئيسة.