أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٦٧ - القول في المأكول
يحدث عنه هو جملة طبيعة ذلك الشيء فان المتمسك بهذا الأصل لا يغلط و لا يفوته الحق أصلا. و لا ينبغي لك ايضا ان تسارع على ان تقطع على شيء من الاغذية أو الادوية من حيث صورته للحس مفردة بأنه يفعل فعلا واحدا فانك قد تجد ما صورته واحدة و هو يفعل افعالا متضادة كالذي يفعله العدس[١] و الكرنب[٢] فانهما يطلقان بعض البطون و يحبسان بعضها و انما يفعلان ذلك لأن خلقة كل واحد منهما من أصل تركيبه و مزاجه قد اجتمع فيه جوهران مختلفان لهما قوتان مختلفتان، قال جالينوس و اما السبب الذي صار له العدس يطلق بطن بعض الناس و يلينه و لا يحبسه و يعقله. فهو ما أصف أقول: أني قد بينت في كتاب الأدوية المفردة ان كثيرا من الأنواع التي يظن بها بسيطة مفردة و قد ركبت في اول خلقها من جواهر مختلفة و قوى متضادة بمنزلة ما نؤلفه نحن بالصنعة فنفعل انواعا كثيرة مختلفة نوعا واحدا مؤلفه، و قد نجد ذلك في كثير من الأغذية كالعدس و الكرنب و جميع حيوان البحر ذوات الجلود الخزفية فان طبيعة كل واحد منها مؤلفة من قوى متضادة و ذلك ان جزئها الصلب بطيء الاغذاء حابس للبطن و ما فيها من الرطوبة يطلق البطن. و بيان ذلك ما نجده في طبخها و ذاك ان مرق كل واحد منها يطلق البطن و جرمه الصلب يحبس البطن، و من ثم اختلف الناس في أمرها. ثم انظر ايضا مع[٣] ما تنظر من حالات الأغذية في حالات المعدة فانك قد تجد من المعدة ما الغالب عليها الحرارة النارية، اما لان مزاجها من أجل خلقتها كذلك او لان مرارا أصفر ينصب اليها مما قد مال من أصل الخلقة عن طريقه الذي كان الى الامعاء فصار ينصب اليها فان المعدة التي هي حالها تهضم من الاغذية غليظها كلحم البقر و نظيره و يفسد فيها ما لطف كلحوم الدّراج و الفراريج فليس ينبغي لك ان تمتحن و تجرب الأغذية و تقطع عليها بأن بعضها سريع الانهضام و بعضها بطيء الانهضام بحسب حالات هذه المعدة فان هذه المعدة و ما سواها مما بعد عن الاعتدال بعدا كبيرا لا يصح القضاء على الأغذية من جهتها. و يجب ان ننظر في أمر الاغذية نظرا آخر و هو ان من المأكولات ما أكثر
[١] العدس- و مروق، و طبيخه يعقل البطن بيسر، و هو عسر الهظم و يقلل البول و الطمث( ابن البيطار ج ٣/ ص ١١٨).
[٢] الكرنب- نبت بري و بستاني و بحري، طبيخه ينفع من علل المفاصل و الخوانيق و يقتل الديدان المعوية و يدر البول و الطمث( ابن هبل ج ٢/ ١١٤).
[٣] وردت في الاصل( معما) و الصحيح ما اثبتناه.