أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٤٣ - الباب الثاني في التدابير المصلحة للأبحان، و بها يصلح الطبيب جسمه و أعضاءه
الحواس كذلك بما للنفس من ضياء العقل الكلي تقبل التأديب و تتصور ما يصوّر لها فيظهر نورها و نهارها، و كلما زاد نورها [استنارت][١] من العقل نورا تستضيء به و تفتش عن الفضائل و العلوم فيكون بذلك الانسان عالما أدبيا يتبع و يقتدى به. و من علم بأن اللّه تعالى قد خصّه بجزء من ذلك و أقدره على ان ينفع به غيره فقد وهب له نعمة لا تفسد و لا تبيد، و قد وجب عليه ألّا يفتر طرفة عين من شكر المنعم عليه و أن يتيح تلك النعمة لمن طلبها و ينعم عليه بإخراجه و [استعادته][٢] من لجج ظلمات الجهل المميت الى علو نور العلم المحيي فان من أدب نفسه فقد أكسبها حياة دائمة، و الى الله نبتهل في احياء نفوسنا باحسانه و له نشكر ابدا دائما. و اذا كان هذا الضرب الأول من تعليم العقل و تأديبه للطبع فقد ذكرنا منه فيما تقدم جملا مشوقة للاحداث الى التعليم و التاديب و سائغة لهم الى منافعهم في دنياهم مدة بقائهم، و في آخرتهم بعد موتهم، فقد آن لنا أن نذكر الضرب الثاني من التعليم العقلي، و هو: المعدل لمزاج البدن و الحافظ عليه صحته، ليكون بذلك هذا التعليم تاما و الغرض الذي قصدنا نحوه في كتابنا هذا كاملا، و أنا أذكر الممكن ذكره من هذه الجمل بطريق قريبة و مقاصد سهلة و بألفاظ مألوفة و عبارة معروفة ليقرب على محب الأدب و التعليم غرضه، و يسهل عليه مطلبه و باللّه أثق و أستعين، فأقول: ان التعليم الثاني الذي نصبه العقل و وضعه لتقويم الطبع و إصلاح الانسان هو ما عدّل جسمه و أكسبه صحة أو ما حفظ على الجسم صحته، و هذا التعليم و العمل به هو المسمّى صناعة الطب، و هي التي وهبها الباري للعقل، فنصب العقل للعقلاء أصولها و علّمهم استخراج فروعها بطريقتين هداهم بهما سبلها و هما: طريق القياس[٣]، و طريق التجربة[٤].
فبهذين الطريقين جميعا مجموعين [استخرج] علماء صناعة الطب علمها و وصلوا الى أعمالها. و إذا كان قد اتضح لك ايها المحب لتعلم صناعة الطب أصول طرق التعاليم التي نصبها العقل للعقلاء و انكشف لك منها جملا فأرجع بنا الى بسط التعليم الثاني: و هو
[١] وردت في الاصل( استمارت) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( استعاد) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] طريقة ممارسة الطب بالقياس هي احدى ثلاثة طرق لهذه الغاية، و الطرق الثلاثة هي القياس و التجربة و الحيلة، و لجالينوس كتاب باسم( فرق الطب) خصصه لهذه الطرق الثلاثة. و يقصد بالقياس الوصول الى تشخيص المرض اعتمادا على تاريخ المريض و اعراضه و علاماته فيكون علاجه( قياسا) على ذلك.
[٤] طريقة التجربة- اي ممارسة العلاج بالتجربة على الخطا و الصواب حتى يستقيم عمل الطبيب الممارس.