أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٤٢ - الباب الثاني في التدابير المصلحة للأبحان، و بها يصلح الطبيب جسمه و أعضاءه
بعقله فيما يختاره من اتخاذ الأبنية و الكسى و أنواع الأغذية و الأشربة و له أن يقاوم بعقله المضار و المؤذيات الطبيعية و الاختيارية جميعا و ذلك ان اللّذة مقرونة بالأمور الطبيعية، خلقها الخالق تعالى بحكمته في الأمور المحسوسة و الحواس ليشتاق الحيوان الى ما يلتذ به فيستعمله و لو لا ذلك لم ينسل الحيوان و لم يبق[١]، و لما كان الطبع يلتذ و يشتاق الى اللذات و لم يكن لأنواع الحيوانات عقل يقدّر له الأمور اللذيذة ما يكفيه لطف له الخالق تبارك بتقدير ذلك له طبعا فلا يأخذ من كل لذيذ إلا ما يصلحه و يكفيه و لذلك عدمت أكثر الحيوانات أكثر الأمراض التي تعرض للانسان. فأما الانسان [فلأن] له عقل يقدر أن يميز به، لطبعه، الضار من النافع و يقدر له من الأغذية و الأشربة و سائر ما هو مضطر اليه الكافي، فلذلك ترك و طبعه، فإن تبع ما يأمره به عقله من استعمال الاشياء و اتخاذها للذّاتها و لم يتق ما يتبع اللذة من المضار و الآفات دخلت عليه الأمراض، و الأعراض و لم يؤمن عليه الهلاك لأنه يكون في ذلك دون البهايم لما لم يجعل لها عقل تقدر به كما قلنا قبل، صار لها التقدير طبعا فهي بذلك أصلح حالا[٢] و آمن، و خير ممن لا يتأدب بعقله. فأما من تدبر بعقله الأمور و تبع ما يأمر به عقله و شرعه، و سلك في طرقهما و مذاهبهما، فهو الفاضل الأديب و هو الانسان بالحقيقة. و لما اختلفت طبائع الناس لاختلاف أمزجتهم احتاج العقل ان يضع لكل ما خالف الأمر المعتدل ما يرده الى الاعتدال و ما يضعه العقل من ذلك هو ضربين احدهما:
تعديل ما عدّل أخلاق النفس، و الآخر: ما عدّل مزاج البدن فأما تعليم ما عدّل أخلاق النفس و أكسبها الفضائل و هداها سبل الحق لتزهد بذلك فيما يأمرها به الطبع من اتباع اللذات المؤدية[٣] الى سبل الشر و الرذائل فهو التعليم العقلي، و التأديب الذي به ينتقل الانسان من الأخلاق البهيميّة الى الأخلاق الشريفة النفسانية، و هذا المكتسب من التأديب إذا رسخ و ثبت في النفس الانسانية بالعادات التي يوجد الانسان بها منذ صباه[٤]، و التأديب الذي يؤدبه أهل الآداب يسميه القدماء عقلا مكتسبا، و منزلته من العقل الكلّي منزلة شعاع الشمس، و كما ان بضياء الشمس يستنير الهواء و يوقعه[٥] على المحسوسات فتدركها
[١] وردت في الاصل( لم يبقى) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( حال) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( المادية) و الصحيح ما اثبتناه.
[٤] وردت في الاصل( صبايه) و الصحيح ما اثبتناه.
[٥] وردت في الاصل( يوقعه) و الصحيح ما اثبتناه.