أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٤٠ - الباب الثاني في التدابير المصلحة للأبحان، و بها يصلح الطبيب جسمه و أعضاءه
الباب الثاني في التدابير المصلحة للأبحان، و بها يصلح الطبيب جسمه و أعضاءه.
أقول و اللّه المعين أن الخالق تعالى لما شاء إظهار حكمته و قدرته جعل كل مخلوق محكما، و جعل الأدلة في المخلوقات على إحكام خلقتها، و قدرة خالقها تبارك كثيرة جدا.
من ذلك ما جعل لبعضها من الاتصال الطبيعي ببعض و ما فضل بعضها عن بعض و ما رتبها بذلك مراتب[١] مختلفة لتأخذ من نوره، و تقبل من حكمته بحسب ما لها من شرف المنزلة، فأعطى تعالى الناميات من القوى الأربع الذي بها تغتذي و تنمو ليتم لها البقاء بنوعها ما لم يعطه للجمادات. و وهب تعالى للانسان من نوره نفسا علّامة عاقلة مميزة ما لم يعط ذلك لغيره من الحيوانات، فالانسان لذلك هو اتم أنواع الحيوان و أكمله، لأنه من جسم حي و من نفس ناطقة، و لأن النفس الناطقة هي المتمّمة لنوع الانسان و أفعالها بجسمه تظهر، فلذلك بني جسمه بناء يلائم قواها كالذي بنيت عليه أجسام سائر الحيوان من الملائمة[٢] لقوى نفوسها، فما كان منها شجاعا محبا للغلبة و القتال بنى لنفسه جسما يصلح لهذه الأفعال كالسبع و النمر و الذئب و أشباه هذه، و ما كان منها جبانا خلقت له آلة تصلح للهرب كالأرنب و الثعلب و أشباه هذه من الحيوانات، فلذلك بني جسم الانسان أيضا بناء يلائم
[١] وردت في الأصل( مراتبا) و الصحيح ما أثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( الملاومة) و الصحيح ما اثبتناه.