أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٣٨ - الباب الأول - في الأمانة و الاعتقاد الذي ينبغي أن يكون الطبيب عليه و الآداب التي يصلح بها نفسه و أخلاقه
وراثة الأخوان و الأحباء. عند الشدايد تمتحن صحة الصداقة كما يمتحن صحيح الذهب بالنار، أسبق بالجميل الى أصدقائك قبل التماسهم ذلك منك، و خاصة إن عثر الدهر بهم. أودع الخيرات لأهل الصلاح و الأبرار و لا تثق عليهما بأهل الطلاح و الأشرار.
امقت المخادع و الملّاق كمقتك الكذاب السّراق. كن سهلا خلطا بالأخوان مكرما و مفضلا على الجيران. قرب ممن قرب اليك و أعف عمن جفا عليك و اعلم أن استقامة الأدب مع الحكمة خير من المال و السلطنة. قال أرسطو طاليس: الحكمة رأس التدبير، و هي سلاح النفس مرآة العقل.
اجتهد إلا تكون واعظا بجميل الأقوال لكن تكون عظتك بجميل القول و الفعال.
لا تأخذن الحدث بصعب التأديب لكن درجة الأدب بترتيب. لقح عقلك بالآداب كما تلقح الشجرة بالشجر الكراب. رض النفس بالحكمة لتدرك الحقيقة كرياضة الراضة للجسم لتصبر على المشقة، و اعلم بأن الحكمة تفضي باهلها الى مراتب عظيم فضلها كما أن من ولي سلطانا وجب عليه أن يبعد الأشرار عنه، لأن جميع عيوبهم منسوبة اليه، كذلك أنت أيها الطبيب يجب أن تبعد عنك الأشرار من الأصحاب و التلاميذ فان جميع ما يأتيك[١] من صحبك و خدمك منسوب اليك من قول و فعل، و اعلم ان
الفقر مع الحلال أصلح من الغنى مع الحرام، و الذكر الحسن مع بقائه خير من نفيس المال مع فنائه، و ايضا فان المال قد يوجد عند السفهاء و الجهال، و الحكمة لا توجد الا عند أهل الفضل و الكمال. اجتهد في أن يكون سرورك و حزنك جميعا بتوسط، و كن على ما زاد منهما بتسلط و تأمل حال النفس الموسّطة للاخلاق من هذا القول الذي أحكمته لك من كلام جالينوس في اول المقالة الثانية من كتابه في المزاج[٢]، فانه قال بعد ان وصف حال المزاج المعتدل هذا القول، قال: فهذه حال الانسان الذي هو أعدل الناس مزاجا في بدنه، و هو أيضا في نفسه متوسط بالحقيقة فيما بين الشجاعة و الجبن و بين البطئ المتأخر و بين العجول المتهوّر، و فيما بين الرحيم و بين الحسود، و من كان كذلك فهو طيب النفس محب متحبب متوخي لمحبة الناس، دمث. و اذا كنت مجتهدا على أن تخفي مالك في بيتك فأحذر ان تخفي
[١] وردت في الاصل( ياتيه) و الصحيح ما أثبتناه.
[٢] كتاب المزاج- من مؤلفات جالينوس و يبحث في مزاج الابدان و الادوية و الاطعمة. و قد ترجم حنين هذا الكتاب الى اللغة العربية( ابن ابي اصيبعة ص ٢٧٣).