أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٣٠ - الباب الأول - في الأمانة و الاعتقاد الذي ينبغي أن يكون الطبيب عليه و الآداب التي يصلح بها نفسه و أخلاقه
قال: و هذا مما يدلك على انها ألهمت إلهاما تلك النسب من سبب هو أكرم منها، و أشرف و أعلى مرتبة و لذلك صارت تفعل ما تفعل منساقة نحو الغرض و هي لا تفهم الغرض كما قد ترى القوم الذين يلهمون أن يتكلموا[١] بكلام ينبئون به كما يسألون عنه قبل أن يكون فهم لا يفهمون العلة فيما يقولون، و قال ايضا: فالصانع لهذا العالم و لترتيبه و هو الحق الأول، و له العلم المحض في الغاية القصوى، و عن علمه يكون ترتيب الأشياء و نظامها و الى الاقتداء به يشتاق. و قال أيضا، بعد كلام طويل: فقد تبين من هذا أن اللّه يعلم ذاته، و يعلم بذلك جميع الأشياء التي هو مبديها و احوالها و تصرفاتها و يعلم ذلك كله معا. و قال أيضا في كتاب سمع الكيان[٢] اقاويل كثيرة من هذا الفن غير أني اكتفي منها بقول واحد قاله من المقالة الثامنة منه، قال: ليست الخليقة يا هذا غير مهيّأة مفعولة، و أنها لحسنة التهيئة و الفعل و إذا كانت فيها تهيئة فقد اضطرت أن تكون بإرادة و قدرة عليها نعت وجد و أن الذي منتهى له ليس له نعت و لاحد و اما أفلاطن[٣] فانه تكلم في النفس في الكتاب المنسوب الى فادن (في النفس) و أطنب في وصف الثواب و العقاب و الحساب في الآخرة، و طبقات الثواب و العقاب بعد الموت مما يطول إعادته و لكن نذكر منه طرفا، قال سقراط[٤]: أظنك يا فانس[٥] لم تفهم عني بعد قال فانس لا و الله واهب الحياة فما فهمت عنك على ما ينبغي قال سقراط: فافهم عني فإني مستأنف بك قولا مجددا، ثم قال سقراط بعد ان قال، فان سلّمت ما من هذه الأشياء اوجدتك ان النفس شيء لا يبطل بعد مفارقة البدن، قال فاتس فبادر بنتيجتك فأني مسلّم لك، قال سقراط بعد ان قال، فالنفس غير مايتة و لا باطلة بعد مفارقة البدن، قال سقراط: ثبت يا فانس أن انفسنا بعد الموت موجودة لا في مدة هذا الزمان
[١] في الأصل يتكلمون و الصحيح ما أثبتناه.
[٢] كتاب سمع الكيان- من مؤلفات ارسطو طاليس بثمان مقالات، و قد فسّره الاسكندر الفروديسي الدمشقي( ابن ابي اصيبعة ص ١٠٤).
[٣] افلاطن- افلاطون و فلاطن- من مشاهير فلاسفة اليونان، معلم أرسطو و فلسفته في نظرية الأنكار و له مؤلفات كثيرة فيها. و كانت وفاته باثينا سنة ٣٤٧ قبل الميلاد بعمر يناهز الثمانين عاما.
[٤] سقراط- من اوائل فلاسفة اليونان باثينا، و فيها علم تلميذه افلاطون و آخرون بطريقة السؤال و الجواب ليكشفوا عن المعرفة بانفسهم. و قد حكم عليه بالاعدام بتهمة إفساد عقول الشباب سنة ٣٩٩ ق. م.
[٥] فانس- فيلسوف يوناني و كان بينه و بين سقراط تواصل في تناقل المعرفة.