أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٢٩ - الباب الأول - في الأمانة و الاعتقاد الذي ينبغي أن يكون الطبيب عليه و الآداب التي يصلح بها نفسه و أخلاقه
و عدم هذه السعادات ان مما يرجى له الشفاء من عماه، و التخلّص من حيرته قراءته في كتب العقلاء من المتقدمين الذين قد أجهدوا انفسهم بالطرق العقلية و القوانين القياسية في إصابة الحق و دركه فانه قد كان يجد فيها من فصيح الأقاويل و واضح الأدلة على وجوب الأقرار بالباري تعالى و على وحدانيته و قدرته و حكمته و وجوده، و الإقرار برسله و شرايعه و الثواب و العقاب ما لو جمع لكثر و طال و ثقل محمله، و لكن لا بأس باثبات اليسير من ذلك لما أرجو به من النفع لمن التمس الحق، و التوبيخ و الإخجال لمن عدل عنه الى الآراء الردية و المذاهب المفسدة. و ينبغي أن أقدم من القول في هذا المعنى أقاويل الفلاسفة أبدأ منهم بأقاويل أرسطو طاليس ثم اتبع ما قالته الفلاسفة ببعض ما قالته الأطباء و أظهر أقاويل أرسطو طاليس، و أوضحها في ذلك ما صرح به في كتابه الذي عنوانه (كتاب ما بعد الطبيعة)[١] و خاصة في مقالة [اللامنتهي] قال ان الذي لامكان له اصلا و لا تحويه نهايات الأجسام كما يحوي جميع الأشياء التي في المكان هو اللّه حقا. و قال ارسطو طاليس أيضا في مواضع أخرى من هذه المقالة: فأنه من الصواب و الحق أن يعتقد أن ذلك الشيء المعقول مفرد عن الجواهر جميعا حتى لا يوجد بينه و بينها مشاركة البتة لا في طبع و لا في عرض من الأعراض، و هو اللّه تعالى. ثم قال: و غرضنا إنما هو الكلام في هذا الشيء الأعظم، أعني الأول الذي لا يتحرك و هو اللّه الحق. و قال أيضا: المحسوسات واقعات تحت حس البصر منها[٢] الأجسام السماوية و الأجسام الأرضية من الحيوان، و النبات و أمرها بيّن، و أما الفاضل الأول فهو الذي هو غير متحرك الأزلي و الأبدي. و قال أيضا: و ذلك أنه ليس بينه و بين ما هو دونه من الجواهر مشاركة في شيء من الأشياء أصلا لا في تغيّر من كل التغير و لا في مكان و لا في نمو و لا ينقص و لا يجمعهما أيضا مبدأ واحد عنه حدثا لكن البدء الأول الذي هو اللّه لا مبدأ له أصلا، و كلما هو دونه فمبدأه منه. و من أقاوليه التي صرح فيها بضرب من ضروب النبوة قوله في الطبيعة هذا القول، قال: و ليس بعجب أن تكون الطبيعة و هي لا تفهم منساقة بما يفعله الى الغرض المقصود اليه إذ كانت لا تروي و لا تفكر في فعل ما تفعله ..
[١] كتاب ما بعد الطبيعة- من مؤلفات ارسطو طاليس و هو بثلاثعشرة مقالة. و قد فسره الاسكندر الافروديسي الدمشقي في القرن الثاني للميلاد( ابن ابي اصيبعة ص ١٠٦).
[٢] في الأصل منه.