أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ٢٧ - الباب الأول - في الأمانة و الاعتقاد الذي ينبغي أن يكون الطبيب عليه و الآداب التي يصلح بها نفسه و أخلاقه
بتعريفهم ما ينفعهم ليستعملوه، إذ خلقهم مضطرين و كشف لهم عما يضرهم ليحذروه إذ كانوا بذلك جاهلين. فهذه أول أمانة و اعتقاد ينبغي للطبيب أن يتمسك بها و يعتقدها اعتقادا صحيحا. و الأمانة الثانية: ان يعقد للّه جلّ ذكره المحبة الصحيحة و ينصرف اليه بجميع عقله و نفسه و اختياره، فان منزلة المحب اختيارا أشرف من منزلة الطايع له خوفا و اضطرارا. و الأمانة الثالثة: ان يعتقد أن للّه رسلا الى خلقه هم انبياؤه، أرسلهم الى خلقه بما يصلحهم، إذ العقل غير كاف في كل ما[١] يصلحهم دون من رسل[٢] ما شاء و كيف شاء في الوقت الأصلح، كما اختار من الخلق الرسل[٣] الصفوة ممن شاء. فهذه أصول الأمانات التي تبحث على الطبيب أن يستشرها بينه و بين خالقه، و يعتقدها اعتقادا صحيحا فقد دلت القدماء على صحتها و أتت الكتب المنزلة بها، و شهدت على حقيقتها، و لا يسع ذو شرع الخروج عنها، فليس ينبغي لك ان تحفل بمن عدل عن هذه الأمانات ظنا منه ببطلانها فارزا على الشرايع، و أظهر التدهّر و الزندقة، فليس ذلك منه الا جهلا يسوقه الى الهلاك، و سوء العاقبة، فان دعتك نفسك الى ان تختبره، و ينكشف لك جهله، فسله عما اعتقده، لم اعتقده، و لم عدل عن اعتقاد الكافة و اهل شرعه؟ فإنك من مبتدأ جوابه تستدل على حيرته و سوء عقله، و لعله أن يكون في ذلك مقلدا لمن قد كان يصحبه ممن كان يذهب ذلك المذهب، و يعتقد ذلك الرأي ميلا الى الرخصة، و خلع العذار و شوقا الى بلوغ اللذات، و لم يزل هواه يغلبه و لذّاته تغرّه حتى انطمست عين عقله و عميت عن النظر الصحيح فيما يصلحه و يرشده الى المذهب الحق، و الرأي الصحيح و دايما ذلك دأبه و الجهل يستحكم عليه أن يؤديه الى الهلاك في دنياه و آخرته و مع ذلك فانه سيكون سببا لهلاك من صحبه من الأغرار فتكون منزلته منزلة أصل الشوك الذي كلما كثرت فروعه عظم ضروره، و عسر قلعه فلا تستأصله الا نار قوية تهلك الفروع و الأصل معا، ان يسقط في الارض من البذر ما يكون منه خلفا كذلك يكون الضرر أعظم كثيرا من اعتقد هذه الآراء، و الآفات على الناس أشد و البلاء أكثر من الأحداث و الجهال التابعين لهم لميل الأحداث الى اللذات، و سروهم بالرخصة، و قلة الكلفة فهم بذلك ينتحون المحرمات و يستحلون المحضورات،
[١] وردت في الاصل( كلما) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( الرسالة) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل الرسالة و الصحيح ما اثبتناه.