أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٨١ - الباب السادسعشر في امتحان الأطباء
عن علم الخمسةعشر ان كان طبيبا طبيعيا بالحقيقة، و انما فردنا كتاب البرهان من جملة الستةعشر لانه لا يقوم بقراءته و لا يفهم جل ما فيه الا من قد تفلسف و قرأ المنطق و الهندسة[١]، و اذا علم منه القيام بفهم اصول صناعة الطب التي تتضمنها هذه الكتب فقد صح انه عالم باصوله و بقي عليه القيام بالخدمة و المحنة له في ذلك هو ان يسأل كيف تركّب الأدوية المركبة، و أي شيء يدق مع أي شيء، و اي شيء يخلط بأي شيء، و كيف تعجن؟ و ما يعجن؟ و كيف تحبب و تقرّص ما رسم عمله كذلك و لم عجن بعض المركبات بمياه و بعضها بعسل، و لم عمل بعض الحبوب كبارا و بعضها صغارا، و لم عملت بعض الجوارشنات جريشة و بعضها دقيقة ناعمة. و لم لتّ بعض الأدوية بدهن و بعضها لا و أمثال هذه الاعمال التي يضطر الطبائعي الى عملها فانه متى جهل علم ذلك و عمل مثلا الحب الكبار صغارا و الجريش من الجوارشنات ناعما ضر ضررا عظيما. و لجهله بذلك ايضا لا يقدر على إصلاح ما أفسده، فهذه الاشياء التي ذكرناها في هذا الباب انما ينبغي ان يمتحن بها من التبس امره فان الحال فيمن أدعى علم صناعة الطب و ليس من اهلها كحال الدرهم المزيف الذي لا يمكن صاحبه ان يظهره بين النقاد و لا ينفقه الا ليلا او على من ضعف بصره عن النقد و اما ان جهل و تجاسر و اظهره و خلطه بالدراهم الجياد النقية فانه سريعا يطهره النقاد و يبين فضيحته. و فيما ذكرته من هذا المثال كفاية لمن لم يقدر ان يمتحن من تزيّا بزي الاطباء و ليس منهم لكنه جعل زيّه و زينته كالشبكة للصياد بما اذكره من ظاهر أمره فانها محنة كافية و ذلك بأن ينظر في افعاله بنفسه و بجسمه و بافعاله مع غيره، فان ذلك كاف و الدلالة على عقله و فهمه، فاما في نفسه فهل أخذ لنفسه منذ صباه بالتأدب و التعلّم و مجالسة الأدباء و العلماء ام هو متشاغل بالأكل و الشرب و اللعب بالشطرنج مثلا و غيرها من الأمور الشاغلة عن العلم و قراءة الكتب، و بمصاحبة الجهال و السفهاء و الرعاع، و هل تراه كثير الدرس للكتب مذاكرا لأهل العلم و مجالستهم ام همته التجارة و الاهتمام بكسب الدراهم و طلب اللذات[٢] من
[١] كان من المبادئ عند الاطباء القدماء ان من يبتغي تعلم صناعة الطب عليه ان يتعلم اولا المنطق و الهندسة ليفهم الطب على حقيقته( ابن رضوان المصري- النافع في كيفية تعلم الطب، المقالة الثانية).
[٢] ( ١٥٢ ب) تناول هذا الموضوع ابو بكر الرازي المتوفي بحدود ٣٢٠ للهجرة. في كتابه المنصوري في الطب ص ٢٣٥- ٢٣٦ تحت عنوان محنة الطبيب( امتحان الطبيب)، و قد يكون اسحاق بن علي الرهاوي المتوفى في آخر القرن الثالث للهجرة في كتابه ادب الطبيب أسبق من الرازي الى تناول هذا الموضوع.