أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٧٠ - الباب السادسعشر في امتحان الأطباء
يوثق معه في تدبير الأبدان و النفوس او هو ممن ينبغي ان يحذر على النفوس منه و ايضا فان من اسباب المحنة للأطباء ما يظهر من نفعها للاطباء خاصة و لسائر الناس عامة، اما للاطباء فلينبه من كان ساهيا و يحث من كان متشاغلا بغيرها و يحركة على اقتنائها.
و اما لمن كان قاصدا للحيلة فيها على الناس فيما يفضحه المحنة و يظهر خزيه فيكون بذلك النفع لسائر الناس شاملا عاما و لو لا ان محنة الأطباء واجبة و نفعها ظاهر لم يضع القدماء فيها كتبا يحثون فيها اهل القدر و السلاطين على الناس و افاضلهم على تعليم اولادهم هذه الصناعة ليقدروا ان يفرقوا بين أهلها و المدعين لها لكي لا يسلموا نفوسهم الى من لا يستحق ذلك كالذي وضعه جالينوس من طرق محنته للاطباء في كتابه الذي ألفه و قد الف غير جالينوس في ذلك كتبا لو لا أني قد تضمنت اثبات حمل ذلك في باب من هذا الكتاب لقد كان ارشادي الى تلك الكتب أعني من التمس ذلك و خاصة و قد كتبت انا رسالة الى بعض من تولى أمور بلد الرقة بألزام الزاميته في ذلك وصفت له فيها كيف ينبغي ان يمتحن الطبيب غير اني أذكر من ذلك هاهنا جملا ليكون ما تضمنته قد وفيت به و ليكون غرضي تاما كاملا.
فأقول اما بعد ما قد وضح من الاسباب الموجبه لامتحان الاطباء فانه ينبغي ان ينظر كيف ينبغي ان يمتحن الاطباء و اول ما ينبغي ان يمتحن به المدعي لصناعة الطب هو ان يسأل على رأي اي فرقة هو من فرق الأطباء[١] فان من جوابه يبين هل يعلم كم اجناس فرق الاطباء أم لا و ما الذي تراه كل فرقة و ما الفرق التي بين الفرق و من ذلك يبين ايضا منه هل علم الى كم نوع ينقسم كل جنس من اجناس الفرق و فيما اتفقت الفرق و فيما ذا اختلفت و لان الطبيب لا يسعه جهل ذلك و لا يجوز له الخروج عنه فلذلك صنف جميع ذلك الفاضل جالينوس في كتاب عنونه بكتاب فرق الأطباء و جعلها أول ما يقرأ من كتبه ثم اذا وقع الجواب منه بتحصيل و انفرد برأي فرقة من الفرق اما برأي اصحاب التجارب و بمذهب من مذاهبهم الخمسة و اما برأي اصحاب الحيل. و اما برأي اصحاب القياس فيجب ان يسأل لأي اجزاء الصناعة ينتحل اذ كانت الصناعة اعظم مقدارا من ان ينالها الانسان في مدة عمره كما قال الجليل بقراط العمر قصير و الصناعة طويلة و لذلك يكون من ادعى جملها
[١] فرق الطب ثلاثة: من يعمل بالتجربة، و من يعمل بالقياس، و من يعمل بالحيلة.