أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٤٧ - الباب الثانيعشر في شرف صناعة الطب
النضج ان حماه تتركب فتركبت فتعجبوا من حكمه حتى قالوا ليس هذا من صناعة الطب بل من جنس النبوة. و كذلك ايضا ما حكاه من قصة الجارية العاشقة، التي أخذ نبضها فأخبرها بحالها فذلك و كثير من امثاله قد حكاه جالينوس في مقالة له مفردة عنونها بنوادر تقدمة المعرفة يقدر أن يقف عليها من أحب علم ذلك من تلك المقالة جمعيه و ساير ما جانسه لم يقدر عليه الا من قوة هذه الصناعة فبذلك و امثاله استحقت الشرف و التقدم على غيرها من الصنائع الا ترى الى طاعة اهل المملكة لملكها و طاعة الملك لطبيبه ما لا يطيع ابويه و لا أحدا من حشمه و أهله و كشف سره اليه ما لا يكشفه اليهم لما يرجوه عنده من النفع و المصلحة، و لقد حكي عن جبرائيل[١] طبيب المأمون انه قال له يوما يا أمير المؤمنين أنا مصلح أدمغة الملوك و القضاة منذ خمسين سنة فكيف أقاس بغيري فاستحسن ذلك منه.
و ايضا فانك تخدم حرم الملوك و غيرهم يكشفون للطبيب من اسرارهم ما لا يستحلون[٢] كشفه لرجالهم، فبذلك و أشباهه وجب لصناعة الطب الشرف و لأهلها التقدم على سائر اهل الصنائع و المهن، و لعل قائلا يقول ان الفلسفة التي هي مقومة النفوس اشرف من صناعة الطب، فنقول له ان الفلسفة لعمري شريفة لشرف موضوعها غير انك لا تقدر تخرجها عن ان تكون طبا للنفوس فاذن[٣] كل فيلسوف طبيب و كل طبيب فاضل فيلسوف فالفيلسوف لا يقدر على اصلاح غير النفس و الطبيب[٤] الفاضل يقدر على صلاح النفس و البدن جميعا فإذن الطبيب يستحق ان يقال فيه انه المتشبه بأفعال الباري تعالى بحسب طاقته و هذا هو بعض حدود الفلسفة و فيما ذكرناه من هذا الباب كفاية.
[١] هو جبرائيل بن بختيشوع بن جورجيوس، طبيب هارون الرشيد و الامين و المامون، و قد حصل من عطايا الرشيد ما لم يحصل على مثله طبيب آخر و كانت وفاته سنة ٢١٣ للهجرية.
[٢] وردت في الاصل( يستحيزون) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( اذا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٤] هذا السطر مشطوب في المخطوطة.