أدب الطبيب - الرهاوي، اسحق بن علي - الصفحة ١٤٥ - الباب الثانيعشر في شرف صناعة الطب
عرف أدوية الامراض و تدابير و علاج كان الشفاء من تلك الامراض بها و حفظت و اتخذت اصولا كالذي حكاه جالينوس انه رأى في منامه قائلا يقول له افصد العرق الذي في ظهر كفك بين السبابة و البنصر فانك تبرأ من المرض الذي تجده و كان يجد مرضا قد أعياه علاجه ففصد ذلك العرق و برئ من مرضه. فانا نقول لهذا القائل ان ما ذكرته من أمر الأشياء التي علمت من جهة الحكم و التكهن لسنا ننكره لكنا نقول انه من نوع ما به علمت اصول صناعة الطب الذي ذكره قصدنا و هو أحد الاسباب لشرفها و هذا النوع من التعليم الذي منه علمت اصول هذه الصناعة هو الذي ذكره جالينوس في تفسيره لكتاب عهد بقراط و ايمانه، فانا نقول ان صناعة الطب تعليم[١] من اللّه تعالى و هبة و تفضيل[٢] على نوع الانسان و لأنا قد ذكرنا بعض ما قاله في هذا المعنى في صدر كتابنا هذا فلذلك نستغني بما قيل هنالك عن اعادته هاهنا و اذا كان الأمر على ما قلناه فقد وجب ان تسمى صناعة الطب الهيّة و ان يسمى من اقتناها بالحقيقة او اخذ نفسه باقتنائها و سلك طرقا الهية و كيف لا يستحق هذا الاسم الشريف و هو حريص مجتهد في التشبه بأفعال الباري جلّ و عزّ اذ الكافة تعلم ان الخالق تقدست اسماؤه جواد كريم رؤوف رحيم شاف معاف[٣] واهب الصحة للاصحاء و حافظها عليهم و شافي المرضى من امراضهم و بلطفه يكفيهم فهو بالحقيقة القادر القدرة التامة على حفظ صحة الاصحاء و على شفاء المرضى. و الطبيب ايضا فمعلوم ايضا ان قصده التماس الصحة و غايته احترازها و لا يقدر على ذلك الا بصناعة الطب الذي هذا قصدها و غايتها و هي موهوبة من اللّه تعالى و الطبيب فمعلوم ان قصده التماس الصحة لخواص من خلقه بأفعاله يقتدون و من حكمته يستمدون فبذلك يجب على كل عامل يعرف قدر نفسه و يؤثر الصحة لجسمه ان يشرف الصناعة الالهية المصلحة للبدن المقوية لأخلاق النفس اذ اخلاق النفس تابعة لمزاج البدن. و مما يوضح شرف الصناعة الطبية ايضا ما تثمره للناس كافة من المنافع التي تؤديهم على مقادير افعالها افهامهم اليها فأول نفع يصل اليه الفهم بها هو الإقرار بتوحيد الباري و المعرفة للطيف حكمته و علو قدرته و حسن عنايته لساير خلائقه و ذلك عند تأمله مزج الممتزجات و تركيب المركبات من ساير المحسوسات الجامدات على اختلاف اصنافها و الناميات على كثرة فنونها و الحيوانات مع تباين انواعها ثم ما يختص به
[١] وردت في الاصل( تعليما) و الصحيح ما اثبتناه.
[٢] وردت في الاصل( تفضيلا) و الصحيح ما اثبتناه.
[٣] وردت في الاصل( شافي معافي) و الصحيح ما اثبتناه.