شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٨٣ - الخطبة الثالثة و الثلاثين ألقاها في استنفار الناس إلى أهل الشام
عليه أدبا و استدراجا لطباعهم فإنّ البداءة بحقّ الغير قبل حقّ النفس أليق بالأدب و هم لسماعه أقبل.فذكر منها أربعة امور بها يكون صلاح حالهم في الدارين.
أحدها :النصيحة لهم و هي حثّهم على مكارم الأخلاق و جذبهم إلى ما هو الأليق بهم في معاشهم و معادهم.
الثاني :توفير فيئهم عليهم بترك ظلمهم فيه و تفريقه في غير وجوهه ممّا ليس بمصلحة لهم كما نسبوه إلى من كان قبله.
الثالث :تعليمهم كيلا يجهلوا.و إنّما لم يقل كيما يعلموا لأنّ ظهور المنّة عليهم بذكر نفى الجهل عنهم أشدّ من ظهورها في ذكر عرض إيجاد العلم لهم و لذلك كان تأذّى الرجل و أنفته من أن يقال له:يا جاهل.أشدّ بكثير من نفار من يقال له:لست بعالم.
الرابع :تأديبهم كيما يعملوا.فهذه الامور الأربعة هي الواجبة على الإمام للرعيّة واحد منها يرجع إلى صلاح أبدانهم و قوامها:و هو توفير فيئهم عليهم بضبطه،و عدم التصرف فيه لغير وجوه مصالحهم.و إثنان يرجعان إلى صلاح حال نفوسهم إمّا من جهة إصلاح القوّة النظريّة:و هو التعليم لغرض العلم أو من جهة إصلاح القوّة العمليّة و هو التأديب لغرض العمل.و واحد مشترك بين مصلحتى البدن و النفس و نظام أحوالهما و هو النصيحة لهم .ثمّ أردف ذلك بيان حقّه عليه السّلام و ذكر أيضا أربعة.
الأوّل:الوفاء بالبيعة و هي أهمّ الامور إذ بها النظام الكلّىّ الجامع لهم معه.
الثاني :النصيحة له في غيبته و حضوره و الذبّ عنه إذ بذلك نظم شمل المصلحة بينهم و بينه أيضا.
الثالث :إجابته حين يدعوهم من غير تثاقل عن ندائه فإنّ للتثاقل عن دعوته ما علمت من قهر العدوّ.و غلبته عليهم و فوات مصالح عظيمة.
الرابع :طاعتهم له حين يأمرهم،و ظاهر أنّ شمل المصلحة لا ينتظم بدون ذلك.
و أنت تعلم بأدنى تأمّل أنّ هذه الامور الأربعة و إن كانت حقوقا له عليهم إلاّ أنّه إنّما يطلبها منهم لما يعود عليهم به من النفع في الدنيا و الآخرة فإنّ الوفاء ملكة تحت العفّة و النصيحة له سبب لانتظام امورهم به و إجابة دعوته إجابة لداعى اللّه الجاذب