شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٧٨ - الخطبة الثالثة و الثلاثين ألقاها في استنفار الناس إلى أهل الشام
يتسلّلون و يدخلون الكوفة حتّى لم يبق معه إلاّ القليل منهم.فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة فخطب الناس.فقال:أيّها الناس استعدّوا لقتال عدوّ في جهادهم القربة إلى اللّه و درك الوسيلة عنده قوم حيازى عن الحقّ لا ينصرونه،موزعين بالجور و الظلم لا يعدلون به.
جفاة عن الكتاب نكب عن الدين يعمهون في الطغيان،و يتسكّعون في غمرة الضلال ف «أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِبٰاطِ الْخَيْلِ» و تَوَكَّلواْ «عَلَى اللّٰهِ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ وَكِيلاً» قال:فلم ينفروا.فتركهم أيّاما ثمّ خطبهم هذه الخطبة فقال :افّ لكم .الفصل.
[اللغة]
افّ : كلمة تضجّر من الشيء .و غمرات الموت : سكراته الّتي يغمر فيها العقل.
و الذهول : النسيان و السهو .و يرتج عليكم : أى يفلق .و الحوار . المخاطبة .و تعمهون:
تتحيّرون و تتردّدون .و المألوس : المجنون و المختلط العقل .و سجيس الليالى و سجيس الأوجس : أى أبدا مدى الليالي .و الزوافر : جمع زافرة،و زافرة الرجل أنصاره و عشيرته .
و سعر : جمع ساعر،و إسعار النار تهييجها و إلهابها .و الامتعاض : الغضب .و حمس الوغى : اشتداد الحرب و جلبة الأصوات .و عرقت اللحم أعرقه : إذا لم أبق على العظم منه شيئا .و المشرّفية : سيوف منسوبة إلى مشارف:قرى من أرض العرب تدنوا من الريف .
و فراش الهام : العظام الرقيقة تلى القحف .
[المعنى ]
و اعلم أنّه عليه السّلام لمّا أراد استنفارهم إلى الحرب.و كانوا كثيرا ما يتثاقلون عن دعوته استقبلهم بالتأنيف و التضجّر بما لا يرتضيه من أفعالهم.
[و قوله:لقد سئمت عتابكم .]
و قوله: لقد سئمت عتابكم.
تفسير لبعض ما تأنف منه.
[و قوله: «أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا مِنَ الْآخِرَةِ» عوضا،و بالذلّ من العزّ خلفا .]
استفهام على سبيل الإنكار و قوله: أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا،و بالذلّ من العزّ خلفا.
استفهام على سبيل الإنكار عليهم يستلزم الحثّ على الجهاد فإنّ الجهاد لمّا كان مستلزما لثواب الآخرة و لعزّة الجانب،و خوف الأعداء،و القعود عنه يستلزم في الأغلب السلامة في الدنيا و البقاء فيها لكن مع طمع العدوّ فيهم و ذلّتهم له كانوا بقعودهم عنه كمن اعتاض الدنيا من الآخرة،و استخلف الذلّ من العزّة.و ذلك ممّا لا يرضى به ذو عقل سليم .و عوضا و خلفا منصوبان على التمييز.