شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٢ - الخطبة الرابعة و العشرين ألقاها حين تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد،و غلبة بسر بن أرطاة على عامليه بيمن
إلى اللّه تعالى و ذلك مصلحة ظاهرة،الثاني أنّ نزول الأمر المدعوّ به عليهم بعده مما ينبّههم على فضله،و يذكّرهم أنّه لم يصبهم ذلك إلاّ لتركهم أوامر اللّه تعالى و خروجهم عن طاعته فيتقهقروا عن مسالك الغىّ و الفساد إلى واضح سبيل الرشاد،و يكون ذلك بلاء من اللّه لهم.الثاني:لعلّه إنّما دعا عليهم لعلمه أنّه لا يرجى صلاحهم فيما خلقوا لأجله ممّا يدعوهم إليه.و من لا يرجى صلاح حاله مع فساد نظام العالم بوجوده و لزومه لما يضادّ مطلوب اللّه منه فعدمه أولى من وجوده.فكان دعاءهم عليهم إذن مندوبا إليه.و على ذلك يحمل أيضا دعائه عليهم :اللهمّ مث قلوبهم كما يماث الملح في الماء .و نحوه.و ذلك تأسّ منه عليه السّلام بالسابقين من الأنبياء عليهم السّلام في التضجّر من قولهم و الشكاية منهم إلى اللّه تعالى و دعائهم عليه كنوح عليه السّلام إذ قال: «رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَ نَهٰاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعٰائِي إِلاّٰ فِرٰاراً» إلى قوله «إِنَّهُمْ عَصَوْنِي» ،ثمّ ختم بالدعا على من لم يرج له صلاح،فقال: «رَبِّ لاٰ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكٰافِرِينَ دَيّٰاراً» الآية.و كلوط إذ قال لقومه: «إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقٰالِينَ» ،و غيرهما من الأنبياء كناية و المراد بالميث المدعوّ به يشبه أن يكون ما يحصل في القلب من الانفعال عن الغمّ و الخوف و نحوهما،و ذلك أنّ الغمّ إذا وقع لزمه تكاثف الروح القلبي للبرد الحادث عند انطفاء الحرارة الغريزّية لشدّة انقباض الروح و اختناقه فيحسّ في القلب بانفعال شبيه بالعصر و المرس.و ذلك في الحقيقه ألم أو مستلزمة له فيحسن أن يكون مرادا له،و يحتمل أن يكون كناية عن أسبابه من الغمّ و الخوف فكأنّه طلب من اللّه أن يقتصّ له منهم إذ ماثوا قلبه بفساد افعالهم ،و يروى أنّ اليوم الّذي دعا عليهم فيه ولد فيه الحجّاج بن يوسف، و روى أنّه ولد بعد اليوم بأوقات يسيرة.و فعل الحجّاج بأهل الكوفة ظاهر،و دماره لها مشهور .
[قوله:أما و اللّه لوددت أنّ لي بكم ألف فارس من بني فرس بن غنم]
و قوله: أما و اللّه لوددت أنّ لي بكم ألف فارس من بني فرس بن غنم.
يصلح تعيينه لمن ذكر بيانا للخير منهم الّذي طلبه أوّلا من اللّه مجملا عوضا بهم.و بنو فرس حيّ من تغلب أبوهم غنم بفتح الغين و سكون النون،و هو غنم بن تغلب بن وائل،و إنّما خصّ هذا البطن لشهرتهم بالشجاعة و الحميّة و سرعة إجابة الداعي،و أمّا البيت:هنالك لو دعيت.
فمعناه ما ذكره السيّد الرضيّ-رضوان اللّه عليه-و وجه تمثيله عليه السّلام بهذا البيت أنّ