شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٧٣ - الخطبة الثانية و الستّين أشار فيها إلى مباحث لطيفة من العلم الإلهىّ
الثامن:
مجاز من باب إطلاق اسم السبب على المسبّب و كل بصير غيره يعمى عن خفىّ الألوان و لطيف الأجسام .
أقول:خفىّ الألوان مثلا كاللون في الظلم،و اللطيف قد يكون بمعنى عديم اللون كما في الهواء،و قد يكون بمعنى رقيق القوام كالجوهر الفرد عند المتكلّمين، و كالذّرة،و اللطيف بالمعنيين غير مدرك للحيوان،و اطلق لفظ.العمى مجازا إذ كان عبارة إمّا عن عدم البصر مطلقا أو عن عدمه عمّا من شأنه أن يبصر و لا واحد من هذين الاعتبارين بموجود للبصير غير اللّه فلم يكن عدم إدراكها عمى حقيقيّا بل لكون العمى من أسباب عدم الرؤية اطلق لفظه عليه إطلاقا لاسم السبب على المسبّب،و هذا الحكم في معرض مدحه إن يستلزم تنزيه بصره عن لاحق العمى و مظنّته إذ كان سبحانه منزّها عن معروض العمى و البصر و متعاليا عن أن يكون إدراكه بحدقة و أجفان و انطباع الصور و الألوان و إن كان يشاهد و يرى حتّى لا يعزب عنه ما تحت الثرى.و إذ ليس بصيرا بالمعنى المذكور فهو البصير باعتبار أنّه مدرك لكمال صفات المبصرات،و ذلك الاعتبار أوضح و أجلى ممّا يفهم من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيّات.
التاسع:و كلّ ظاهر غيره باطن .
أقول:ظهور الأشياء هو انكشافها للحسّ أو للعقل انكشافا بيّنا،و يقابله بطونها و هو خفاؤها عن أحدهما،و لمّا ثبت أنّه تعالى منزّه عن الجسميّة و لو احقها علم كونه منزّها عن إدراك الحواسّ،و لمّا قام البرهان على أنّه تعالى برىء عن أنحاء التراكيب الخارجيّة و العقليّة وجب تنزّه ذاته المقدّسة عن اطّلاع العقول عليها فعلم من هذا الترتيب أنّه لا يشارك الأشياء في معنى ظهورها و قد وصف نفسه بالظهور فيجب أن يكون ظهوره عبارة عن انكشاف وجوده في جزئيّات آثاره كما قال تعالي «سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي الْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» ١و إن كانت مشاهدة الحقّ له على مراتب متفاوتة و درجات متصاعدة كما أشار إليه بعض مجرّدى السالكين:ما رأينا اللّه بعده.فلمّا ترقّوا عن تلك المرتبه درجة من المشاهدة و الحضور قالوا:ما رأينا شيئا إلاّ و رأينا اللّه فيه.فلمّا ترقّوا قالوا:ما رأينا شيئا إلاّ و رأينا اللّه قبله.فلمّا ترقوا قالوا:ما رأينا شيئا سوى اللّه.
١) ٣١-٥٣