شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٤ - الخطبة الثانية و العشرين ألقاها لتأديب الفقراء بترك الحسد و الأغنياء بالشفقّة على الفقراء و مواساتهم
وَ مُرَافَقَةَ الْأَنْبِيَاءِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لاَ يَسْتَغْنِي الرَّجُلُ- وَ إِنْ كَانَ ذَا مَالٍ عَنْ عَشِيرَتِهِ وَ دِفَاعِهِمْ عَنْهُ بِأَيْدِيهِمْ وَ أَلْسِنَتِهِمْ- وَ هُمْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَيْطَةً مِنْ وَرَائِهِ وَ أَلَمُّهُمْ لِشَعَثِهِ- وَ أَعْطَفُهُمْ عَلَيْهِ عِنْدَ نَازِلَةٍ إِذَا نَزَلَتْ بِهِ- وَ لِسَانُ الصِّدْقِ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ- خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُوَرِّثُهُ غَيْرَهُ
[اللغة]
أقول: الغفيرة : الكثرة و الزيادة.و روى عفوة بكسر العين،و عفوة كلّ شيء صفوته.
و غرى يغرى بالأمر إذا ولع به ،و أغريته به : إذا حثثت له الدخول فيه .و الفالج : الفائز .
و الياسر : اللاعب بالميسر.و سنذكر كيفيّته .و القداح : سهام الميسر الّتي يلعب بها ،و التعذير اظهار العذر ممّن لا عذر له في الحقيقة ،و عشيرة الرجل : قبيلته و المعاشرون له ،و الحيطة بالكسر : الحفظ و الرعاية ،و اللمّ : الجمع .و الشعث : تفرّق الأمر و انتشاره .
[المعنى]
و اعلم أنّ مدار هذا الفصل على تأديب الفقراء بترك الحسد و نحوه أوّلا،و على تأديب الأغنياء بالشفقة على الفقراء و مواساتهم بالفضل من المال و تزهيدهم جمعه ثانيا .
[فقوله:أمّا بعد فإنّ الأمر ينزل إلى قوله:أو نقصان]
فقوله: أمّا بعد فإنّ الأمر ينزل إلى قوله: أو نقصان .صدر الخطبة.أورده ليبنى عليه غرضه،و حاصله الإشارة إلى أنّ كلّ ما يحدث من زيادة أو نقصان و يتجدّد فيما يكون به صلاح حال الخلق في معاشهم و معادهم من صحّة أو مال أو علم أو جاه أو أهل فإنّه صادر عن القسمة الربّانيّة المكتوبة بقلم القضاء الإلهىّ في اللوح المحفوظ الّذي هو خزانة كلّ شيء.و المراد بالأمر حكم القدرة الإلهيّة على الممكنات بالوجود و هو المعبّر عنه بقوله تعالى:
«كُنْ» :في قوله: «إِنَّمٰا قَوْلُنٰا لِشَيْءٍ إِذٰا أَرَدْنٰاهُ» و بنزوله نسبة حصوله إلى كلّ نفس بما قسمّ لها و هى النسبة المسمّاة بالقدر في قوله تعالى «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّٰ عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلاّٰ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» ١و استعاره-حقيقت المراد بالسماء سماء الجود الإلهيّ و بالأرض عالم الكون و الفساد على سبيل استعارة هذين اللفظين للمعنيين المعقولين من المحسوسين،و وجه الاستعارة في الموضعين
١) ١٥-٢١.