شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٩ - الخطبة السابعة و العشرين يذكر فيها تنبيهات لطيفة على وجوب النفار عن الدنيا و عدم الركون إليها
يلزم الهمّ من الآلام البدنيّة على بدنه،و تكرار ذلك منهم يشبه طريان المشروب و تجريعه.و قوله: أنفاسا .مجاز في الدرجة الثانية فإنّ النفس حقيقة لغويّة في الهواء الداخل و الخارج في الحيوان من قبل الطبيعة.ثمّ استعمل عرفا لمقدار ما يشرب في مدّة إدخال الهواء بقدر الحاجة إطلاقا لاسم المتعلّق على المتعلّق،ثمّ استعمل هاهنا في كلّ مقدار من الهمّ يرد عليه من قبل أصحابه وقتا فوقتا و هي درجة ثانية من المجاز.
و قوله : و أفسدتم رأيى بالعصيان .من تمام شكايته منهم.و معنى إفسادهم له خروجه بسبب عدم التفاتهم إليه عن أن يكون منتفعا به لغيرهم حتّى قالت قريش:إنّه و إن كان رجلا شجاعا إلاّ أنّه غير عالم بالحرب.فإنّ الخلق إذا رأوا من قوم سوء تدبير أو مقتضى رأى فاسد كان الغالب أن ينسبوه إلى رئيسهم و مقدّمهم و لا يعلمون أنّه عليه السّلام الألمعىّ الّذي يرى الرأي كأن قد رأى و قد سمع،و أنّ التقصير من قومه.ثمّ أردف ذلك نسبتها له إلى قلّة العلم بالحرب بقوله : للّه أبوهم .إلى آخره.
و هي كلمة من ممادح العرب.ثمّ سألهم عن وجود من هو أشدّ للحرب معالجة أو أقدم منه فيها مقاما سؤالا على سبيل الإنكار عليهم،و نبّه على صدقه بنهوضه في الحرب و معاناة أحوالها عامّة عمره و هو من قبل بلوغ العشرين إلى آخر عمره.ثمّ بيّن أنّ السبب في فساد حال أصحابه ليس ما تخيّله قريش فيه من ضعف الرأى في الحرب كما يزعمون،بل عدم طاعتهم له فيما يراه و يشير عليهم به و ذلك قوله : و لكن لا رأى لمن لا يطاع .فإنّ الرأي الّذي لا يقبل بمنزلة الفاسد و إن كان صوابا.و المثل له عليه السّلام.
٢٧-و من خطبة له عليه السّلام
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَ آذَنَتْ بِوَدَاعٍ- وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَشْرَفَتْ بِاطِّلاَعٍ- أَلاَ وَ إِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وَ غَداً السِّبَاقَ- وَ السَّبَقَةُ الْجَنَّةُ وَ الْغَايَةُ النَّارُ- أَ فَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ- أَ لاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ