شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣٠٧ - الخطبة الخامسة و الثمانين ألقاها في توبيخ الامّة على اختلاف آرائهم
أى من الأهوال الّتى كنتم ترونها من المشركين في مبدء الإسلام حيث كنتم قليلين و امرتم أن يثبت الواحد منكم لعشرة منهم ثمّ أيّدكم اللّه بنصره بالتأليف بين قلوبكم و جبر عظمكم بمن أسلم و دخل في دينكم و ذلك أىّ معتبر و فيه أىّ اعتبار فإنّكم لو لم تتّحدوا في الدين و تقاسوا مرارة ذلك النصير و اختلفت آراؤكم في ذلك الوقت كاختلافها الآن،و كنتم إذن على غاية من الكثرة لم تغن عنكم كثرتكم شيئا فكأنّه قال:فيجب من ذلك الاعتبار أن لا تفترقوا في الرأى و أن تتّحدوا في الدين و تراجعوا أعلمكم باصوله و فروعه.
[و قوله:فما كلّ ذى قلب بلبيب.إلى قوله:ببصير .]
و قوله: فما كلّ ذى قلب بلبيب.إلى قوله:ببصير.
أراد بذى القلب الإنسان،و ظاهر أنّ الإنسان قد يخلو عن اللبّ و أراد باللبّ العقل و الذكاء و استعماله فيما ينبغي على الوجه الّذى ينبغي،و بالجملة فاللبيب من ينتفع بعقله فيما خلق لأجله و كذلك السميع و البصير هما اللذان يستعملان سمعهما و بصرهما في استفادة العبرة و إصلاح أمر المعاد و نحوه قوله تعالى «أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ آذٰانٌ يَسْمَعُونَ بِهٰا» ١و قوله «فَإِنَّهٰا لاٰ تَعْمَى الْأَبْصٰارُ وَ لٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» ٢و فائدة هذه الكلمات تحريك النفوس إلى الاعتبار كيلا يعدّ التارك له غير لبيب و لا سميع و لا بصير.
[و قوله:يا عجبا.إلى آخره .]
و قوله: يا عجبا .إلى آخره.
أردف تعجّبه بما يصلح جواب سؤال مقدّر عمّا يتعجّب منه فكأنّه فهم من تقدير ذلك السؤال تعجّب السائل من تعجّبه المستلزم لتبرّمه و تضجّره حتّى كأنّ السائل قال:و ممّ تتعجّب و علام هذا التبرّم و الأسف فقال : ما لى لا أعجب من خطأ هذه الفرق .ثمّ شرع في تفصيل الخطايا و المذامّ الّتى كان اجتماعها فيهم سببا لتعجّبه منهم فأشار إلى تركهم لما ينبغي و قدّم على الكلّ ذكر اختلاف حججهم في دينهم و ذلك هو الأصل الّذى نشأت عنه أكثر هذه الرذائل فأمّا تركهم لما ينبغي ففى صور:
أحدها :تركهم لاقتصاص أثر نبيّهم فإنّهم لو اقتصّوا أثره لما اختلفوا إذ لا اختلاف فيما جاء به كما سبق بيانه لكنّهم اختلفوا فلم يقتصّوا أثر نبيّهم.
١) ٧-١٩٤.
٢) ٢٢-٤٥.