شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٦٦ - بيان مراتب الايمان بما جاء من عذاب القبر و السئوال
منظره و هول أصواته و يمتحنه فيتلجلج لسانه فيضربه و يعذّبه،و على مثال تنيّن يلدغه،و إن كانت النفس سعيدة تخيّلت اللذّات الحاصلة لها من كلّ خلق حسن و عمل صالح قدّمته في صورة ملائمة فوق ما كانت يعتقده ممّا كان وصف لها من صور أشخاص بهيّة يدخل عليهم و يتلقّاهم بالبشارة كمبشّر و بشير و ساير الملائكة الّذين يدخلون عليهم من كلّ باب سلام عليكم و من فسحة القبر و الروح و الريحان و ساير ما وعد فيه.
فهذا عذاب القبر و ثوابه و إليه الإشارة بقول الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم:القبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النار.
فإن قلت:لم جعل أوّل داخل على الإنسان في قبره سواء كان سعيدا أو شقيّا ملكين و لم يكن ثلاثة أو واحد مثلا.
قلت:قال بعض العلماء:إنّه لمّا كانت السعادة و الشقاوة الحاصلتين للنفس إنّما يحصل من جهة قوّتين نظريّة و عمليّة بهما جعل ما يكتسب عن كلّ واحدة منهما ملكا.
فإن كان المكتسب جهلا مركّبا و رذائل أخلاق فمنكر و نكير و إن كان علما و مكارم فمبشّر و بشير.و اللّه أعلم بأسرار شريعته.
و اعلم أنّك متى تصوّرت معنى ثواب القبر و عذابه في المقامات تصوّرت معنى ثواب الجنّة و عذاب النار .
الثالث عشر:
قوله لا فترة مزيحة و لا قوّة حاجزة .يجرى مجرى آيات الوعيد الناطقة بالتخليد،و هى مخصوصة بالكفّار الّذين لا مسكة لنفوسهم بعالم الملكوت و نحوه قوله تعالى «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذٰابِ جَهَنَّمَ خٰالِدُونَ لاٰ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ» ١و أمّا أنّه ليس لهم قوّة حاجزة فلأنّ القوّة الحاجزة بينهم و بين العذاب مفقودة في حقّهم و هى المسكة باللّه تعالى و محبّة الالتفات إلى عالم الغيب و الملأ الأعلى ،و أمّا عدم الموتة الناجزة فلأنّ الإنسان غير قابل للفناء مرّة اخرى كما علم ذلك في موضعه و أمّا سلب السنة عنهم إشارة إلى شدّة آلامهم و ما يلقونه من أليم العذاب لما أنّ الألم الشديد يستلزم عدم النوم فلا سلوة إذن بين حالات سكرات العذاب ، مجاز إطلاقا لذى الغاية على ما يصلح غاية له و إطلاق لفظ الموتات مجاز
١) ٤٣-٧٤.