شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٠١ - الخطبة التاسعة و الستّين ألقاها لتعليم الناس الصلاة على النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم
مطّلعة على جميع أفعال اممها و مشاهدة لها من خير أو شرّ،و أمّا فايدتها فقد علمت أنّ أكثر أحكام الناس وهمّية،و الوهم منكر للإله على الوجه الّذي هو اله فبالحرىّ أن ينكر كونه عالما بجزئيّات أفعال عباده و دقايق خطرات أوهامهم،و ظاهر أنّ ذلك الإنكار يستتبع عدم المبالات بفعل القبيح و الانهماك في الامور الباطلة الّتى نهى اللّه تعالى عنها فإذا ذكر لهم أنّ عليهم شهداء و رقباء و كتّابا لما يفعلون مع صدق كلّ ذلك بأحسن تأويل كان ذلك ممّا يعين العقل على كسر النفس الأمّارة بالسوء و قهر الأوهام الكاذبة،و يردع النفس عن متابعة الهوى ثمّ لا بدّ لكلّ رسول من امناء على دينه و حفظة له هم شهداء أيضا على من بعده إلى قيام الساعة،و إذا كان معنى الشهادة يعود إلى اطّلاع الشاهد على ما في ذمّة المشهود عليه و علمه بحقيقته و فائدتها حفظ ما في ذمّة المشهود عليه و تخوّفه أن جحده أو لم يوصله إلى مستحقّه أن يشهد عليه الشاهد فيفضحه و ينتزع منه على أقبح وجه،و كان هذا المعنى و الفائدة قائمين في شهادة الأنبياء عليهم السّلام إذ بها تتحفّظ أو امر اللّه و تكاليفه الّتي هى حقوقه الواجبة،و يحصل الخوف للمقصّرين فيها بذكر شهادة الرسل عليهم بالتقصير فيفتضحوا في محفل القيامة و يستوفى منهم جزاء ما كلّفوا به فقصروا فيه بالعقاب الأليم لا جرم ظهر معنى كونهم شهداء اللّه على خلقه .
الحادى و العشرون:كونه مبعوثا بالحقّ
،و هو الدين الثابت الباقى نفعه و ثمرته في الآخرة ،ثمّ أعاد ذكر كونه رسول اللّه إلى خلقه.و إنّما كررّه لأنّه الأصل في باقى الأوصاف،و ظاهر أنّ كلّ هذه الأوصاف جهات استحقاق الرحمة و البركة و إفاضة الصلوات الالهيّة على نفسه القدسيّة .
الفصل الثالث:في تفصيل المطلوب من هذا الدعاء
و هو قوله: اللّهم افسح .إلى آخره،و طلب امورا:
أحدها: استعارة أن يفسح له مفسحا في ظلّة :أى مكانا متّسعا في حضرة قدسه و ظلّ وجوده،و لفظ الظلّ مستعار للجود،و وجه المشابهة راحة المستظلّ بالظلّ من حرّ الشمس فأشبهها راحة الملتجىء إلى جود اللّه المستظلّ به من حرارة جهنّم و سعير عذابه ،و إليه الإشارة بقوله تعالى «وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ » .