شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٨٩ - كلامه الجارى مجرى الخطبة السادسة و الستّين في توبيخ أصحابه لتقاعدهم عن النهوض معه إلى حرب أهل الشام
[المعنى ]
و هذا الفصل يشتمل على توبيخ أصحابه لتقاعدهم عن النهوض معه إلى حرب أهل الشام،و ذكر وجوه التوبيخ :
الأوّل:حاجتهم إلى المداراة الكثيرة.و ليس ذلك من شيم الرجال ذوى العقول بل من شأن البهايم و من لا عقل له،و نبّههم في حاجتهم إلى المدارة بتشبيهين. تشبيه أحدهما: بالبكارة الّتى قد انهكها حملها.و وجه الشبه بينهما و بينهم هو قلّة صبرهم و شدّة إشفاقهم و فرارهم من التكليف بالجهاد و استغاثتهم كما يشتدّ جرجرة البكر العمد، و فراره من معاودة الحمل.
الثاني : بالثياب المتداعية ،و هى الّتى يتبع ما لم يتخرّق منها ما انخرق في مثل حاله.و وجه الشبه ما ذكره،و هو قوله :كلّما حيصت من جانب تهتّكت من آخر :أى كما أنّ الثياب المتداعية كذلك.فكذلك أصحابه كلّها أصلح حال بعضهم و جمعهم للحرب فسد بعض آخر عليه.
الثاني:شهادة حالهم عليهم بالجبن و الخوف و هو قوله : كلّما أطلّ.إلى قوله:
و جارها ، كناية و كنّى بإغلاق كلّ منهم بابه عند سماعهم بقرب بعض جيوش الشام منهم عن فرارهم من القتال و كراهية سماعهم للحرب،و شبّههم في ذلك الخوف و الفرار بالضبّة و الضبع حين ترى الصائد أو أمرا تخافه .و إنّما خصّ الإناث لأنّها أولى بالمخافة من الذكران.
الثالث:وصفهم بالذلّة و قلّة الانتفاع بهم.فنبّه على وصف الذلّ بقوله : الذليل و اللّه من نصرتموه .فإنّه إنّما يكون ذليلا لكونهم كذلك،و يحتمل أن يشير بذلك إلى سوء آرائهم في التفرّق و الاختلاف،ثمّ بالغ في ذلك بحصر الذلّ لكلّ منتصر بهم فيمن نصروه،و نبّه على قلّة الانتفاع بهم استعارة بالكناية بقوله : و من رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل .استعار لهم من أوصاف السهم أرداها،و كنّى بذلك عن عدم فايدتهم و نكايتهم في العدوّ كما لا فايدة في الرمى بالسهم الموصوف.
الرابع :وصفهم بالكثرة في المجامع و الأندية مع قلّتهم في الحرب و تحت الألوية.
و ذلك يعود إلى الذمّ بالجبن أيضا و العار به فإن قلّة الاجتماع في الحرب و التفرّق عنه من لوازم الخوف،و كما أنّ مقابل هذا الوصف و هو الاجتماع و الكثرة في الحرب مع القلّة