شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٣٦ - كلامه الجارى مجرى الخطبة الخمسين لمّا غلب أصحاب معاوية أصحابه على الشريعة للفرات بصفّين و منعوهم الماء
و الاستسلام للعدوّ و تأخير المنزلة عن رتبة أهل الشرف و الشجاعة،و إنّما أورد الوصفين اللازمين لترك القتال.و هما الإقرار على المذلّة و على تأخير المحلّة لينفّر بهما عنه و يظهره لهم في صورة كريهة،و إنّما جعل الريّ من الماء الّذي هو مشتهى أصحابه في ذلك الوقت لازما لترويتهم السيوف من الدماء الّتي يلزمها القتال ليريهم القتال في صورة محبوبة تميل طباعهم إليها.و نسبة التروىّ إلى السيوف نسبة مجازيّة .
الثالثة:
مجاز قوله: فالموت في حياتكم مقهورين،و الحياة في موتكم قاهرين.
من لطائف الكلام و محاسنه و هو جذب إلى القتال بأبلغ ما يكن من البلاغة فجذبهم إليه بتصويره لهم أنّ الغاية الّتي عساهم يفرّون من القتال خوفا منها و هى الموت موجودة في الغاية الّتي عساهم يطلبونها من ترك القتال و هى الحياة البدنيّة حال كونهم مقهورين.و تجوّز بلفظ الموت في الشدائد و الأهواء الّتي تلحقهم من عدوّهم لو قهرهم و هى عند العاقل أشدّ بكثير من موت البدن و أقوى مقاساة فإنّ المذلّة و سقوط المنزلة و الهضم و الاستنقاص عند ذى اللبّ موتات متعاقبة،و يحتمل أن يكون مجازا في ترك عبادة اللّه بالجهاد فإنّه موت للنفس و عدم لحياتها برضوان اللّه،و كذلك جذبه لهم أنّ الغاية الّتي تفرّون إليها بترك القتال و هى الحياة موجودة في الغاية الّتي تفرّون منها و هى الموت البدنىّ حال كونهم قاهرين أمّا في الدنيا فمن وجهين:أحدهما الذكر الباقى الجميل الّذي لا يموت و لا يفنى.الثاني أنّ طيب حياتهم الدنيا إنّما يكون بنظام أحوالهم بوجود الإمام العادل و بقاء الشريعة كما هى،و ذلك إنّما يكون بإلقاء أنفسهم في غمرات الحرب محافظة على الدين و موت بعضهم فيها. و لفظ الموت مهمل تصدق نسبته إلى الكلّ و إن وجد في البعض،و أمّا في الآخرة فالبقاء الأبدى بالمحافظة على وظائف اللّه و الحياة التامّة في جنّات عدن كما قال تعالى «وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» ١و في القرينتين الاوليين السجع المتوازى و في اللتين بعدهما السجع المطرف،و في اللتين بعدهما المقابلة .
الرابعة:قوله:ألا و إنّ معاوية.
١) ٣-١٦٣