شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ١٣٤ - الخطبة التاسعة و الأربعين ألقاها في بيان بدء وقوع الفتن
[اللغة]
أقول: المرتاد : الطالب .و الضغث : القبضة من الحشيش .
[المعنى ]
و اعلم أنّ مبدء وقوع الفتن المؤدّية إلى خراب العالم و فساده إنّما هو اتّباع الهوى و الآراء الباطلة و الأحكام المبتدعة الخارجة عن أوامر اللّه،و ذلك أنّ المقصود من بعثة الرسل و وضع الشريعة إنّما هو نظام أحوال الخلق في أمر معاشهم و معادهم فكان كلّ رأى ابتدع أو هوى اتّبع خارجا عن كتاب اللّه و سنّة رسوله سببا لوقوع الفتنة و تبدّد نظام الموجود في هذا العالم.و ذلك كأهواء البغاة و آراء الخوارج و نحوها.
و قوله : فلو أنّ الباطل خلّص من مزاج الحقّ. إلى آخره.
إشارة إلى أسباب تلك الآراء الفاسدة.و مدار تلك الأسباب على امتزاج المقدّمات الحقّة بالباطلة في الحجج الّتى يستعملها المبطلون في استعلام المجهولات فبيّن أنّ السبب هو ذلك الامتزاج بشرطيّتين متّصلتين.
إحداهما:قوله: فلو أنّ الباطل خلّص من مزاج الحقّ لم يخف على المرتادين.
و وجه الملازمة في هذه المتّصلة ظاهر فإنّ مقدّمات الشبهة إذا كانت كلّها باطلة أدرك طالب الحقّ وجه فسادها بأدنى سعى و لم يخف عليه بطلانها،و أمّا استثناء نقيض تاليها فلأنّه لمّا خفى وجه البطلان فيها على طالب الحقّ لم يكن الباطل فيها خالصا من مزاج الحقّ فكان ذلك هو سبب الغلط و اتّباع الباطل لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين.
و الثانية:قوله : و لو أنّ الحقّ خلّص من[لبس خ]الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ،و وجه الملازمة أيضا كما مرّ:أى إنّ مقدّمات الحجّة الّتي استعملها المبطلون لو كانت كلّها حقّة مرتّبة ترتيبا حقّا لكانت النتيجة حقّا تنقطع ألسنتهم عن العناد فيه و المخالفة له.و قد حذف عليه السّلام كبرى هذين القياسين لأنّهما قياسا ضمير كما سبق،ثمّ أتى بالنتيجة أو ما في معناها و هو استعارة قوله : و لكن يؤخذ من هذا ضغث،و من هذا ضغث :أى من الحقّ و الباطل فيمزجان،و لفظ الضغث مستعار،و مقصوده بذلك التصريح بلزوم الآراء الباطلة و الأهواء المبتدعة لمزج الحقّ بالباطل.و لذلك قال :
و هنا لك يستولى الشيطان على أوليائه :أى إنّه يزيّن لهم اتّباع الأهواء و الأحكام الخارجة عن كتاب اللّه بسبب إغوائهم عن تمييز الحقّ من الباطل فيما سلكوه من الشبهة