لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٣٣ - القول فى تفسير اسمه(العليم)
و مما يدل على أن بناء فعيل للمبالغة وجوه.
الأول: أنه يقال سميع فهو سامع، و رحيم فهو راحم، أما بناء فعيل فانه لا يستعمل إلا عند قصد تأكيد الفعل، لأنا إذا قلنا سميع بصير دل على تأكيد معنى السمع و البصر، و تمكن هذا الفعل من طباع الموصوف به، كالخلق الثابت، و الطبع اللازم.
الثانى: أن الغالب فى القرآن لفظ العليم، و القدير، و أقل منه لفظ العالم و القادر، و هذا يدل على ما ذكرناه.
الثالث: قوله «وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ» «١» فلما كان العليم أعلى من ذى العلم، دل على المبالغة.
و ثامنها: العلامة، و هذا اللفظ لا يستعمل فى حق اللّه تعالى، لأنه لم يرد لا فى القرآن و لا فى الأخبار، بل يقال: رجل علامة إذا وصف بكثرة العلم.
كما يقال نسابة، و قوالة، و عيابة، و هو بعينه العلام، إلا أنهم أدخلوا الهاء فى آخر هذه الكلمة لغرض المبالغة، و إنما لم يستعمل ذلك فى حق اللّه تعالى لأنها صفة لمن ترقى عن القلة و النقصان إلى الكثرة و الكمال، بسبب التكلف و الارتياض، فلهذا السبب لم يذكر هذا اللفظ فى حق اللّه تعالى.
المسألة الثانية: اعلم أن علم اللّه تعالى مخالف علوم المحدثات من وجوه.
أحدها أنه بالعلم الواحد يعلم جميع المعلومات، بخلاف العبد.
و ثانيها: أن علمه لا يتغير بتغير المعلومات بخلاف العبد.
ثالثها: أن علمه غير مستفاد من الحواس، و لا من الفكر بخلاف العبد.
و رابعها أن علمه ضرورى الثبوت، ممتنع الزوال، قال تعالى «لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ» «٢» و قال. «وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا» «٣» و علم العبد جائز الزوال.
و خامسها: أن الحق سبحانه و تعالى لا يشغله علم عن علم، بخلاف العبد.
______________________________
(١) جزء من الآية ٧٦ من سورة يوسف.
(٢) جزء من الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.
(٣) جزء من الآية ٦٤ من سورة مريم.