لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٥ - القول فى تفسير قولنا(الله) و فيه مسائل
و الجواب عن الثانى: أنا بينّا فيما تقدم أن رحمة اللّه تعالى بعباده أكمل من رحمة الآباء و الأمهات بالأولاد.
و الجواب عن الثالث: أن كونه تعالى قابضا مذلا مميتا لا يمنع من كونه باسطا معزا محييا، فكذا هاهنا كونه مغنيا للعالم مميتا للخلائق لا يمنع من كونه حنانا ودودا رحيما.
الوجه الثالث: من الوجوه المفرعة على قولنا هذا: أن الاسم مشتق من الوله: أن الوله: عبارة عن المحبة الشديدة، و المحبة الشديدة يلزمها طرب شديد عند الوجدان و الوصال، و خوف شديد عند الفقدان و الانفصال، فهو تعالى مسمى باسم اللّه لأن المؤمنين يحصل لهم البهجة و السرور عند معرفته، و يحصل لهم حزن شديد عند الحجاب و البعد، قال يحيى بن معاذ: إلهى كفى بى فخرا أن أكون لك عبدا، و كفى بى شرفا أن تكون لى ربا: و قيل: كان سبب زهد شقيق البلخى أنه رأى مملوكا يلعب و يمرح فى زمان قحط، كان الناس محزونين فيه، فقال له شقيق: ما هذا النشاط الّذي فيك؟ أ ما ترى ما فيه الناس من الحزن و القحط فقال له المملوك و ما عليّ من ذلك، و لمولاى قرية خالصة يدخل له منها ما يخرج فانتبه شقيق و قال: إن كان لمولاه قرية، و مولاه مخلوق فقير، فلا يهتم برزقه لهذا السبب، فكيف ينبغى أن يهتم المسلم لأجل الرزق، و مولاه أغنى الأغنياء.
و اعلم أن من عرف اللّه لا يعرى عن قبض و بسط، فإذا استغرق فى عالم الجلال و العزة و الاستغناء وقع فى القبض و الهيبة فيصير كالمعدوم الفانى، و إذا استغرق فى عالم الجمال و الرحمة و الكرم وقع فى البسط و الفرح و السرور، فيصير فرحانا بربه، و هاتان الحالتان لازمتان لسالكى عالم التوحيد، و لهذا قال عليه الصلاة و السلام: «إنه ليغان على قلبى» و كان يحيى عليه السلام الغالب عليه الحزن و القبض، و كان عيسى عليه السلام الغالب عليه الفرح و البسط، فتحا كما فى هذه