لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٠٩ - القول فى تفسير اسمه(الخالق)
و الثانى: أن الصورة مأخوذة من صار يصير، و منه قولهم: إلى ما ذا صار أمرك، و مادة الشيء هى الجزء الّذي باعتباره يكون الشيء ممكن الحصول، و صورته هى الجزء الّذي باعتباره يكون الشيء حاصلا كائنا لا محالة، فلا جرم كانت الصورة منتهى الأمر و مصيره.
إذا عرفت هذا فنقول: لا شك أن الأجسام متساوية فى ذاتها، و يرى كل جسم مختصا بصورة خاصة، و شكل خاص، و الذوات المتماثلة إذا اختلفت فى الصفات كانت تلك الصفات جائزة العدم و الوجود، و الجائز لا بد له من مرجح.
و مخصص، فافتقرت الأجسام بأسرها فى صورها المخصوصة، و أشكالها المخصوصة إلى مخصص قادر، و هو اللّه سبحانه فثبت أنه سبحانه و تعالى هو المصور، ثم إنه سبحانه خص صورة الإنسان بمزيد العناية، كما قال: «وَ صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ» «١» و قال: «صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً» «٢» و قال بعد أن شرح خلق الإنسان: «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ» «٣» هذا هو الكلام فى تفسير هذه الأسماء الثلاثة.
المسألة الرابعة: فى كلام المشايخ فى اسمه الخالق و البارئ و المصور: فى هذه الأسماء قالوا: الخالق هو الّذي بدأ الخلق بلا مشير، و أوجدها بلا وزير، و قيل: الخالق الّذي ليس لذاته تأليف، و لا عليه فى قوله تكليف، و قيل:
الخالق الّذي أظهر الموجودات بقدرته، و قدر كل واحد منها بمقدار معين بإرادته، و قيل: الخالق الّذي خلق الخلق بلا سبب و علة، و أنشأها من غير جلب نفع و لا دفع مضرة.
حكى عن جعفر بن سليمان أنه قال: مررت بعجوز مكفوفة تنوح على نفسها فقلت لها: ما معاشك؟ فقالت: دع هذه الفضول، بلغت هذا المبلغ فما أحوجني
______________________________
(١) جزء من الآية ٦٤ من سورة غافر، ٣ التغابن.
(٢) جزء من الآية ١٣٨ من سورة البقرة.
(٣) جزء من الآية ١٤ من سورة (المؤمنون).