لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٣٩ - القول فى تفسير اسمه(العفو)
قلوبهم، كيلا يخجلوا عند تذكرها، و يثبت مكان كل سيئة حسنة، قال تعالى:
«يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» «١» و قال: «فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» «٢».
و اعلم أن العفو أبلغ من المغفرة، لأن الغفران يشعر بالستر، و العفو يشعر بالمحو، و المحو أبلغ من الستر.
الثانى: أن العفو هو الفضل، قال اللّه تعالى: «يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ» «٣» يعنى ما فضل من أموالهم الّذي لا يشبه كونه فاضلا، و عفا مال فلان إذا كثر، و قال تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ» «٤» أى ما صفا من الأخلاق، فالعفوّ على هذا الوجه هو الّذي يعطى الكثير، و يهب الفضل، و لا يتعب المنعم عليه البتة.
أما حظ العبد منه فهو: أن يعفو عن كل من ظلمه، و لا يقطع بره عنهم بسبب تلك الإساءة، و لا يذكر مما تقدم من أنواع الجفاء شيئا، قال تعالى:
«وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا» «٥» فإنه متى فعل ذلك، فاللّه سبحانه و تعالى أكرم الأكرمين أولى أن يفعل به ذلك.
حكى عن قيس بن عاصم المنقرى أن مملوكا له تعثر، و بيده شيء مشوى على سفود، فوقع على ولد له صغير فمات، فقال له قيس: اذهب فأنت حر لوجه اللّه.
و حكى أن أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى اللّه عنه دعا غلاما له فلم يجبه
______________________________
(١) جزء من الآية ٣٩ من سورة الرعد.
(٢) جزء من الآية ٧٠ من سورة الفرقان.
(٣) جزء من الآية ٢١٩ من سورة البقرة.
(٤) جزء من الآية ١٩٩ من سورة الأعراف.
(٥) جزء من الآية ٢٢ من سورة النور.