لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٣ - القول فى تفسير(الرحمن الرحيم) و فيه مسائل
و أما العوض فهو تعالى يعطى ذلك الحيوان فى الآخرة من المنافع، ما لو علم ذلك الحيوان مقادير تلك المنافع رضى بتحمل هذه الآلام فى الحال، ليصل إلى تلك المنافع فيما بعد ذلك، و بهذا الوجه يخرج فعل تلك الآلام عن أن يكون ظلما.
القول الثالث: قول أهل السنة: و هو أن الرحيم هو الّذي يفعل الرحمة، و يوصل النعمة، و ليس من شرط كونه رحيما أن لا يفعل إلا الرحمة، فهو تعالى رحيم، كريم، جواد، ودود، رءوف فى حق بعض عباده. و قهار جبار منتقم فى حق آخرين. فهو تعالى قابض، باسط: ضار، نافع، معز، مذل، محيى، مميت. بحسب الاعتبارين. و لم تكن رحمته و إحسانه معللا باستحقاق مستحق أو بسبب طاعة مطيع، و لم يكن قهره معللا باستحقاق مستحق، أو بسبب معصية عاص. فإنه و إن كان التفاوت فى القهر و اللطف لأجل التفاوت فى الاستحقاق؛ فمن أين حصل ذلك التفاوت فى الطاعة و المعصية؟ فلم صار هذا مطيعا و ذاك عاصيا مع التساوى فى القدرة و الصلاحية؟ بل كل أحد يعلم أن هذا صار مطيعا. لأنه تعالى خلق فى قلبه ما يدعوه إلى الطاعة. و إنما صار العاصى عاصيا. لأنه تعالى خلق فى قلبه إرادة المعصية. و عند هذا يظهر أنه لا نهاية لرحمته. و لا نهاية أيضا لقهره. و أن رحمته غير معللة البتة بشيء من أفعال الخلق، و قهره غير معلل بشيء من أفعال الخلق. و أن كل ما حصل للخلائق من صفاتهم و أفعالهم و أحوالهم فهو من الحق و بإيجاده و تكوينه، و كيف يمكن تعليل فعله؟!
و لهذا المعنى قال أبو بكر الواسطى: لا أعبد ربا ترضيه طاعتى، و تسخطه معصيتى، و معناه أنه لو صارت طاعة العبد علة لحصول رضا الخالق، و ذنبه علة لحصول سخط الخالق، لكان العبد مغيرا لصفة الحق، و مؤثرا فى تبديل أحوال الحق، و ذلك محال، بل رضاه هو الّذي حمل المطيعين على الطاعات، و سخطه هو الّذي حمل العصاة على المعاصى، و كل شيء صنعه، و لا علة لصنعه. هذا شرح مذاهب الخلق فى هذا الباب.
السؤال الثالث: قالت المعتزلة: إن إثبات صفة الرحمة لا يستقيم على قول أهل السنة، و ذلك لأن مذهبهم أنه تعالى خلق الكفر فى الكافر، و خلق فيه قدرة