لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١٨ - القول فى تفسير اسمه(الغفار) و فيه مسائل
الثالثة: قال «يا عِبادِيَ الَّذِينَ» أضافهم إلى نفسه، فعيبهم إنما ظهر منهم، و زينتهم إنما ظهرت من المولى، و ما يظهر من المولى أقوى مما يظهر منهم.
الرابعة: قال «أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ» يعنى إنهم إنما قصروا فى حق أنفسهم لا فى حقى، فكفاهم ضررا أن قصروا فى حق أنفسهم، فلا ينبغى أن يلحق بصاحب المعصية مصيبة أخرى.
الخامسة: قال فى آخر الآية، «إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» يعنى لا ينبغى أن يظنوا أنه إنما شرع المغفرة و الرحمة فى حقكم، بل هذه عادته، فإنه هو الغفور الرحيم، و نظيره قوله «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً» «١» لم يقل إنه غفار، بل قال (كان غفارا) من الأزل إلى الأبد، موصوفا بصفة الغفارية، فلا ينبغى أن تتعجبوا من أن يغفر ذنوبكم.
و أما قوله «نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» «٢» فقد روى: أن بعض الصحابة كانوا يضحكون، فمر الرسول عليه الصلاة و السلام بهم، فقال: أ تضحكون و النار بين أيديكم؟ فحزنوا جدا، ثم رجع القهقرى، فقال: جاءنى جبريل عليه السلام و قال: يقول اللّه تعالى: لم تقنط عبادى من رحمتى؟ «نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»، و فيه لطائف:
إحداها: قال عليّ عليه السلام: حروف القرآن ثلاثمائة ألف، و خمسة و عشرون ألفا، و ثمانية و سبعون حرفا فلو لم يكن فى القرآن بشارة لأمة محمد صلى اللّه عليه و سلم سوى هذا الحرف الواحد و هو الياء، فى قوله (عبادى) لكفتهم، فكما أنه ليس بين الدال و الياء فى قوله عبادى حجاب، فكذا ليس بين المؤمن العاصى و بين رحمة اللّه حجاب.
______________________________
(١) جزء من الآية ١٠ من سورة نوح.
(٢) الآية ٤٩ من سورة الحجر.