لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٤ - القول فى تفسير قولنا(الله) و فيه مسائل
الحنان إن كان الحنين أمرا حاصلا عند الواله اللهفان، و احتج أصحاب هذا القول بوجوه.
أحدها. أنه تعالى قال: «يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ» «١» فأثبت بهذا كونه تعالى محبا لعباده، و كون عباده محبين له، و الوله معناه المحبة، فكان اشتقاق لفظ الإله من كل واحد من الوجهين جائزا، إلا أن اشتقاقه من محبة اللّه تعالى لعباده أولى من اشتقاقه من أفعال الخلق؛ لأن محبة اللّه صفة أزلية، و محبة العباد أمر محدث، و اشتقاق اسم اللّه من صفته الأزلية أولى من اشتقاقه من الأفعال المحدثة للعباد.
و ثانيها: أنه تعالى جعل أول كتابه قول «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فإذا قلنا إن لفظ اللّه دليل على كمال محبته لعباده فمن المعلوم أن لا معنى لمحبته إلا كونه رحيما بهم، موصلا أصناف نعمته إليهم، و كان لفظ اللّه من جنس لفظ الرحمن الرحيم، فقولنا اللّه دليل على الغاية القصوى فى الرحمة، لأن الوله عبارة عن غاية المحبة، و الرحمن كالمتوسط، و الرحيم كالرتبة الأخيرة، فتكون هذه الألفاظ الثلاثة على هذا التقدير متجانسة.
و ثالثها: أن على هذا التقدير تكون اللفظة الأولى من القرآن دليلا على كمال المحبة و الرحمة من اللّه تعالى فى حق عباده، و ذلك هو الأليق بلطفه و كرمه.
و اعترضوا على هذا القول أيضا من وجوه: الأول أن هذا الوله ما كان حاصلا فى الأزل فوجب أن لا يكون إلها فى الأزل، و الثانى: أن هذا الوله حاصل فى حق الأمهات المولهة بأولادها، فوجب إطلاق اسم الإله عليهن، الثالث: يلزم أن يكون إفناء العالم، و إماتة الأحياء مبطلا لكونه تعالى إلها.
و الجواب عن الأول: أنه يرجع حاصل هذا الوله فى حق اللّه تعالى إلى أنه مريد للخيرات بعباده، و هذه الإرادة أزلية، فزال السؤال.
______________________________
(١) جزء من الآية ٥٤ من سورة المائدة.