لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٥ - الفصل السادس فيما يدل على فضل ذكر الله تعالى باسمائه و صفاته
درجاتكم قالوا بلى و ما ذاك يا نبى اللّه قال ذكر اللّه» و ثامنها: قال عليه الصلاة و السلام» من عجز عن الليل أن يكابده و عن المال أن ينفقه و عن العدو أن يجاهده فليكثر ذكر اللّه». و تاسعها: روى أن موسى عليه السلام قال يا رب كيف يمكننى أن أعرف من أحببت ممن أبغضت؟ قال يا موسى إذا أحببت عبدا جعلت فيه علامتين قال يا رب و ما هما؟ قال ألهمته ذكرى لكى أذكره فى ملكوت السماء، و عصمته من محارمى لئلا يحل عليه عقابى و سخطى. و عاشرها: عن عبد اللّه بن بشر المازنى قال «جاء أعرابى إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال أى الناس خير؟ فقال طوبى لمن طال عمره و حسن عمله، فقال يا رسول اللّه أى الأعمال أفضل؟ فقال أن تفارق الدنيا و لسانك رطب من ذكر اللّه».
و أما الآثار فأحدها قال كعب: نجد فى كتب اللّه المنزلة على الأنبياء عليهم السلام أن اللّه تعالى يقول: من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين.
قلت: و البرهان العقلى يصدق ذلك و بيانه من وجهين: الأول: أن من كان مشغولا بذكر اللّه فقد أعطى الاستغراق فى معرفة اللّه تعالى و الإعراض عن غير اللّه تعالى، و من كان مشغولا بالسؤال أعطى استغراقا فى حب غير اللّه و الإعراض عن اللّه، و لا شك أنه لا نسبة للأول إلى الثانى، الوجه الثانى: أن الخليل عليه الصلاة و السلام كانت له حالتان حالة البداية و حالة النهاية، أما حالة البداية فهى أنه لما أراد السؤال قدم الثناء على السؤال فقال: «الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ، وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ» «١» فهذه الأربعة كلها ثناء على اللّه، ثم مزج السؤال بالثناء فقال «وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ» «٢» ثم صرح بعده بالسؤال فقال «رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» «٣» و لما فعل إبراهيم عليه الصلاة و السلام ذلك و كان النبي صلى اللّه عليه و سلم مأمورا
______________________________
(١) الآيات ٧٨، ٧٩، ٨٠، ٨١ من سورة الشعراء.
(٢) الآية ٨٢ من سورة الشعراء.
(٣) الآية ٨٣ من سورة الشعراء.