لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٩ - الفصل العاشر فى تفسير الاسم الأعظم لله سبحانه و تعالى
الجنة. قالوا و إنما جعل الاسم الأعظم مكتوما ليصير ذلك سببا لمواظبة الخلق على ذكر جميع الأسماء رجاء أنه ربما مر على لسانه ذلك الاسم أيضا. و لهذا السبب أخفى اللّه الصلاة الوسطى فى الصلوات و ليلة القدر فى الليالى.
و قال الحكيم الكبير أبو البركات البغدادى فى كتاب المعتبر فى تحقيق الكلام فى الاسم الأعظم: «إن العارف قد يعرف الشيء بذاته كمن يدرك الحرارة بلمسه فإن مدركه هو نفس الحرارة، و كمن يدرك اللون ببصره فإن مدركه هو نفس اللون، و كذا القول فى كل واحد من محسوسات الحواس الخمس، و قد يعرف الشيء معرفة عرضية كمن يقول خاصية السكنجبين صفة من شأنها قمع الصفراء فإن تلك الصفة مجهولة فى ذاتها. إنما المعلوم منها أثرها و نتيجتها، إذا عرفت هذا فنقول فإنا لما استدللنا بوجود الممكنات على وجود واجب الوجود كان هذا من باب المعرفة العرضية، لأن المعلوم منه أنه حقيقة مخصوصة لا يعرف أنها ما هى، و لكن نعلم لازمين من لوازمها و هما استناد كل ما سواء إليه و استغناؤه عن كل ما سواه، و أما المعرفة الذاتية فمتى لم يحصل لنا إلى الآن لا بذاته و لا بذاتياته إما بذاته فلأنا لم نعرف خصوصية ذاته و إما بذاتياته فلأنه واحد لا تركيب فيه فلا ذاتيات له.
بقى هاهنا بحث و هو أنه هل يمكننا أن نعرف تلك الحقيقة المخصوصة معرفة بالذات حتى يكون علمنا بها جاريا مجرى إدراك القوة اللامسة للحرارة، و إدراك القوة الباصرة للضوء، فإن كان ذلك ممتنعا فذلك لأن إدراك هذه الحقيقة فى غاية الجلالة؛ فالأرواح البشرية لا تطيق تحمل ذلك الإدراك و تجلى ذلك النور، و إن كان ذلك ممكنا فهل لهذا الإدراك آلة مخصوصة تشبه تلك الآلة إلى النفس الناطقة كنسبة العين إلى البدن، أو يقال ليس له آلة سوى جوهر النفس الناطقة عند طردها عن الآلات الجسمانية و بتقدير أن يكون هذا الإدراك ممكنا و له آلة مخصوصة فتلك الآلة المخصوصة يحتمل أن يقال إنها آلات غير مخلوقة أو يقال إنها مخلوقة لكن المانع من حصول الإدراك بها قائم، و هو إما اشتغال النفس بتدبير هذا