لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٩٨ - القول فى تفسير اسمه(الجبار)
لا يتواضع، و لا ينقاد لأحد، و هذا الاسم فى حق اللّه سبحانه و تعالى يفيد أنه سبحانه و تعالى بحيث لا تناله الأفكار، و لا تحيط به الأبصار، و لا يصل إلى كنه عزه عقول العقلاء، و لا ترتقى إلى مبادى إشراق جلاله علوم العلماء، و هو بهذا المعنى من صفات التنزيه.
الثانى: الجبار بمعنى المصلح للأمور، و يقال: جبرت الكسر إذا أصلحته، و جبرت الفقير إذا أنعشته، و كفيته أمره، و الجبار يفيد الكثرة و المبالغة فى هذا المعنى، و يقال: جبر اللّه مصيبته، و من الدعاء: يا جابر كل كسير، و لا يقال هذا الاسم فى حق اللّه تعالى إلا مع هذه الإضافة.
قال الفراء: و الفعل منه جبر يجبر جبرا و جبرانا، قال: العجاج قد جبر الدين الإله فجبر أى أصلحه فصلح، و هو فعل لازم و متعد «١» و نظيره عمرت الدار فعمرت، فعلى هذا الجبار فى الحقيقة هو اللّه سبحانه و تعالى؛ لأنه هو المصلح لأمور الخلق، و المظهر للدين الحق، و الميسر لكل عسير، و الجابر لكل كسير، و هذا المعنى يرجع إلى صفات الفعل.
الثالث: أن يكون الجبار من جبره على كذا أى أكرهه على ما أراد، و يقال جبر السلطان فلانا على الأمر و أجبره بالألف، إذا أكرهه عليه.
و اعلم أن أجبره بمعنى الإكراه أكثر من جبره، و جبره من جبر الكسر، و الفقير أكثر من أجبره، فعلى هذا الجبار فى وصف اللّه تعالى هو الّذي أجبر الخلق على ما أراد، و حملهم عليه، أرادوا أم كرهوا، لا يجرى فى سلطانه إلا ما يريد، و لا يحصل فى ملكه إلا ما يشاء.
و سمعت أن الأستاذ أبا إسحاق الأسفرائيني كان حاضرا فى دار الصاحب ابن عباد فدخل القاضى عبد الجبار بن أحمد الهمدانى، و كان رئيس المعتزلة، فلما رأى الأستاذ قال: سبحان الّذي تنزه عن الفحشاء؛ فقال الأستاذ أبو إسحاق فى
______________________________
(١) أى يكتفى بالفاعل: أو ينصب مفعولا.