لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٥ - الفصل السابع فى كمال بيان أن الفكر أفضل أم الذكر
حيث قال «الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً» و جعل الفكر خاتمة أمرهم حيث قال «وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» و الغاية فى كل شيء أفضل من المبدأ، فالفكر أفضل من الذكر.
الحجة السادسة: الذكر طاعة عظيمة و مع كونها طاعة عظيمة فهى وسيلة إلى المعرفة التى هى أعظم الطاعات، إذ لو لا الفكر لما تميز الحق عن الباطل، و الذكر و إن كان فى نفسه عبادة لكنه ليس وسيلة إلى عبادة أخرى، فوجب أن يكون الفكر أفضل من الذكر؛ لأن فيه طرد الشياطين و احترازا عن الوسواس و اشتغالا بالحق و إعراضا عما سواه، و هذه منافع فى غاية الجلالة. قلنا كل ذلك فى الفكر مع زيادة ما ذكرناه.
الحجة السابعة: الفكر طلب نفسانى لوجدان المطلوب و هو فعل شاق، و الذكر ليس كذلك؛ فإذا كان الفكر أشق كان أكثر ثوابا بالنص.
فإن قيل: الفكر طلب المفقود و الذكر استيفاء الموجود، و الفكر يشبه علاج المرض و الذكر يشبه استيفاء الصحة، و لا شك أن الثانى أفضل.
قلنا: الفكر يفيد تحصيل الزوائد إلى ما لا نهاية له و الذكر ليس كذلك.
الحجة الثامنة: الذكر باللسان إن لم تحصل معه المعرفة بالقلب فهو ساقط و إن حصلت المعرفة معه فتلك المعرفة لا تحصل إلا بالفكر، فالذكر إنما يكمل بالفكر و الفكر غنى فى كمال حاله عن الذكر؛ فالفكر أفضل من الذكر.
الحجة التاسعة: أن صاحب الفكر أبدا يكون فى الترقى من درجة إلى درجة أعلى منها، و صاحب الذكر يكون كالواقف، فالفكر أفضل من الذكر.
فإن قيل: صاحب الفكر و إن تزايدت درجاته إلا أنه يكون ضعيفا فى كل واحد منها لأجل أن القوة إنما تحصل بالثبات، و أما صاحب الذكر فإنه و إن كانت درجاته أقل إلا أنه يكون أكثر رسوخا.
(م ٥- لوامع البينات)