لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٦٠ - القول فى تفسير(الرحمن الرحيم) و فيه مسائل
فزال ذلك الألم عن قلب الولد، فالأب إنما أحسن إلى الابن لتحصيل هذا المقصود لنفسه.
و السيد إذا أحسن إلى عبده فإنما أحسن إليه لينفعه، فيجد منه ربحا أو ليقوم بخدمته، فيكون مقصود السيد من ذلك الإحسان إلى العبد إنما هو تحصيل مصلحة نفسه.
و الإنسان إذا وهب، و تصدق، و زكى، فإنما يفعل ذلك ليشتهر فيما بين الخلق بكونه جوادا كريما، أو ليفوز فى الآخرة بالثواب، و يتخلص من العقاب، فهو بالحقيقة إنما أحسن لغرض نفسه.
أما الحق سبحانه و تعالى فإنه كامل لذاته، منزه عن وجوه النقائص و الآفات فكان إحسانه بمحض إيصال النفع إلى الغير لا لغرض يعود إليه من جلب نفع أو دفع ضرر، فكان الجواد المطلق، و الرحيم المطلق، و المحسن المطلق، هو الحق سبحانه و تعالى.
الحجة الثالثة: أن العبد قد يرحم عبدا آخر، أو يحسن إليه؛ و لكن الانتفاع بذلك الموهوب لا يكمل إلا عند العين الباصرة، و الأذن السامعة، و المعدة الهاضمة، و الصحة فى البدن، فهب أن الأمير أعطى الدار الحسنة، و البستان الطيب، فلو لا أنه تعالى خلق الصحة. و الحواس السليمة لما أمكن الانتفاع بها.
و من المعلوم أن هذه الأشياء أعظم قدرا، و أجل خطرا من الأشياء التى يهبها بعض العباد من بعض.
و تأمل الآن فى أصل جميع النعم: و هى الحياة فى الصحة، ثم فى سلامة الأعضاء و الحواس، ثم فى كمال العقل، ثم فى تحصيل الأمن و السلامة من البلاء، فإنك تجد فى كل ذرة من ذراتها أعظم من ملك الدنيا، فحينئذ يعلم أن رحمة اللّه،