لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٣ - القول فى تفسير اسمه(الملك) و فيه مسائل
تمد الجهل بالعجلة، ثم إن الروح تبعث العفة، و النفس تبعث الفجور، ثم إن الروح ترشد إلى الزهد فى الدنيا، و النفس تزين أنواع اللذات فى الدنيا، ثم إن الروح تبعث كتب الحجة، و النفس تبعث صحف الشبهة؛ و لا يزال مجىء من جانب الروح أصناف الأخلاق الطاهرة الروحانية النورانية، و من جانب النفس أصناف الأخلاق الردية الشهوانية الظلمانية، ثم تقف الروح فيما بين عساكره، و النفس فيما بين عساكرها، ثم تجيء أفواج الملائكة العلوية المقدسة، لمعاونة الروح و عساكره، و يحضر أفواج المردة و الشياطين السفلية لمعاونة النفس و عساكرها، و يتقابل الصفان، و يتنازع الفريقان، و يشتد الخصام، و يرتفع الغبار، و لا يزال يبقى ذلك النزاع و الدفاع، و لا يزول الخصام و اللطام، إلا عند المدد الروحانى، و التوفيق الربانى، فإن جاء نسيم العناية و الإعانة من مشرق الهداية، و استولى سلطان الروح على سلطان النفس و قهره، و أباد جمعه، و فرق شمله، و تخلص له هذه المملكة، و لئن جاءت ظلمات الخذلان من مغرب القهر و الكبرياء، استولى سلطان النفس على سلطان الروح، و قهره، و أخرجه من المملكة، و امتلأت المملكة من رايات الشياطين، و أعلام الأباطيل.
و اعلم أن هذه المنازعة إنما تحصل بين الملوك فى الأدوار و الأعصار مرة واحدة، فأما بين النفس و الروح ففى كل ساعة تحصل هذه المخاصمة مرات، فتارة تكون الغلبة للروح، و أخرى للنفس، فلهذا السبب يرى الإنسان الواحد ملكا فى هذه الساعة، شيطانا فى ساعة أخرى، فلا جرم لم يستعن الإنسان طول عمره غير الاستعانة بهداية اللّه، فلا جرم قال الخليل عليه السلام «رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ» «١» و قال الكليم عليه السلام «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي» «٢» و قال الحق سبحانه و تعالى للحبيب عليه الصلاة و السلام «وَ قُلْ رَبِ
______________________________
(١) الآية ٨٣ من سورة الشعراء.
(٢) الآيتان ٢٥، ٢٦ من سورة طه.