لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٢ - القول فى تفسير اسمه(الملك) و فيه مسائل
و نظيره قوله «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» «١» و قوله «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ» «٢».
المسألة الثامنة: العبد لا يتصور أن يكون ملكا مطلقا، فإنه ممكن لذاته، و الممكن لذاته محتاج لذاته، فزوال الحاجة غير ممتنع عقلا، و كما أنه يمتنع عقلا أن يستغنى عن اللّه يمتنع عقلا أن يفتقر إلى غير اللّه، لأن غير اللّه محتاج، و المحتاج فى ذاته كيف يقدر على دفع الحاجة عن غيره، بل إن قدر فإنما يقدر بأقدار اللّه تعالى عليه، و حينئذ يكون الدافع لتلك الحاجة فى الحقيقة هو اللّه لا العبد، إذا عرفت هذا فالعبد لا يمكن أن يكون ملكا إلا من وجهين.
الأول: أنه إذا انقطعت حاجته عن غير اللّه كان ملكا مطلقا، و تمام هذا المقام إنما حصل لمحمد عليه الصلاة و السلام، و لذلك قال تعالى فى صفته، «ما زاغَ الْبَصَرُ وَ ما طَغى» «٣» و قال عليه الصلاة و السلام «خيرت بين أن أكون عبدا نبيا أو ملكا نبيا فاخترت العبودية».
و بالجملة فمن كان اللّه له كان كل شيء له، و من لم يكن اللّه له لم يكن له شيء، و ذلك لأن من كان اللّه له فالأصل له، و من كان الأصل له كان الفرع له لا محالة.
أما من كان له غير اللّه كان الفرع له، و من كان الفرع له لا يحصل الأصل له، و إذا لم يحصل الأصل له يزول أيضا كون ذلك الفرع له؛ فلهذا قال عليه الصلاة و السلام «إذا سألت فاسأل اللّه و إذا استعنت فاستعن باللّه».
الوجه الثانى: هو أن هذا القلب شبه المملكة، و سلطانه هو الروح، و خصم هذا السلطان هو النفس، و المحاربة قائمة بينهما أبدا، فسلطان الروح يخرج وزير العقل، و سلطان النفس يخرج وزير الجهل، ثم إن الروح يمد العقل بالفكر، و النفس
______________________________
(١) جزء من الآية ٦ من سورة هود.
(٢) الآية ٢٢ من سورة الذاريات.
(٣) الآية ١٧ من سورة النجم.