لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٨ - الفصل السادس فيما يدل على فضل ذكر الله تعالى باسمائه و صفاته
الأول: أن يوصف بما لا يجوز وصفه به كقول النصارى إنه جوهر و إنه أب المسيح، و قول الكرامية إنه جسم، أو يسلب عنه ما كان ثابتا له كقول المعتزلة ليس للّه علم و قدرة و حياة، مع أنه أثبت العلم لنفسه فى قوله: «أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ» «١» «وَ لا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ» «٢» «إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ» «٣» «وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ» «٤».
و الثانى: أن الإلحاد فى أسمائه مثل تسمية الأصنام بالآلهة و اشتقاقهم اللات من اللّه و العزى من العزيز، و من الآيات الدالة على فضل الذكر قوله «فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ» «٥» كلفنا فى هذه الآية بأمرين الذكر و الشكر فقدم الذكر على الشكر لأن الذكر اشتغال به و الشكر اشتغال بنعمته، و اعلم أن الذكر على ثلاثة أقسام: ذكر باللسان و بالقلب و بالجوارح، فأما الذكر باللسان فهى الألفاظ الدالة على التحميد و التسبيح، و أما الذكر بالقلب فعلى ثلاثة أنواع أحدها أن يتفكر الإنسان فى دلائل الذات و الصفات. و ثانيها:
أن يتفكر الإنسان فى دلائل التكاليف من الأمر و النهى و الوعد و الوعيد، و يجتهد حتى يقف على حكمها و أسرارها، و حينئذ يسهل عليه فعل الطاعات و ترك المحظورات. و ثالثها أن يتفكر الإنسان فى أسرار مخلوقات اللّه تعالى حتى تصير كل ذرة من تلك الذرات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم الغيب، فإذا نظر العبد بعين عقله إليها وقع شعاع بصره الروحانى منها على عالم الجلال، و هذا مقام لا غاية له و بحر لا ساحل له. و أما ذكر اللّه تعالى بالجوارح فهى أن تصير الجوارح مستغرقة فى الطاعات و خالية عن المنهيات و بهذا التفسير سمى اللّه تعالى الصلاة ذكرا فقال: «فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» «٦» إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن قوله تعالى
______________________________
(١) جزء من الآية ١٦٦ من سورة النساء.
(٢) جزء من الآية ١١ من سورة فاطر.
(٣) جزء من الآية ٣٤ من سورة لقمان.
(٤) جزء من الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.
(٥) الآية ١٥٢ من سورة البقرة.
(٦) جزء من الآية ٩ من سورة الجمعة.