لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٢٠ - القول فى تفسير اسميه(المقدم - المؤخر)
القول فى تفسير اسميه (المقدم- المؤخر)
اعلم أن التقدم و التأخر قد يكون ذاتيا، و قد يكون وضعيا، أما الذاتى فقسمان: تقدم العلة على المعلول، كتقدم حركة الإصبع على حركة الخاتم، و تقدم الشرط على المشروط كتقدم الحياة على العلم، و الواحد على الاثنين، أما الوضعى فهو أقسام ثلاثة:
أحدها: التقدم الزمانى، كتقدم أفعال اللّه بعضها بعضا، و ذلك إنما يحصل بترجيح إرادته، فلو أنها خصصت وجود البعض بالزمان المتقدم، و وجود البعض بالزمان المتأخر، و إلا لم يكن المتقدم بكونه متقدما أولى من أن يكون متأخرا.
و ثانيها: التقدم المكانى: مثل كون السماء فوق و الأرض تحت، و هذا أيضا مما يحصل بإرادة اللّه تعالى، لما ثبت أن الأجسام متماثلة فيصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر، و كما يعقل كون السماء فوق و الأرض تحت، يعقل أن ينعكس الأمر.
و ثالثها: التقدم بالشرف. مثل أنه سبحانه و تعالى جعل البعض مشرفا بإعطاء العلم، و الطاعة، و التوفيق، و جعل البعض مخذولا مؤخرا عن هذه الدرجات، و رفع محمدا عليه الصلاة و السلام إلى أعلى الدرجات، فقال. «وَ رَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ» «١» و جعل أبا جهل، و أبا لهب فى أسفل الدركات، فهذان طرفان ظاهران و بينهما أوساط متباينة.
فأشرف الأشياء محمد صلى اللّه عليه و سلم و بعده درجات أولى العزم، و بعدهم
______________________________
(١) الآية ٤ من سورة الانشراح.