لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٤ - الفصل التاسع فى حقيقة الدعاء
فرغ منهن؛ العمر و الرزق و الخلق و الخلق» فإذا ثبت أن هذه الأحوال مقدرة فى الأزل فأى فائدة فى الدعاء. الشبهة السادسة: قد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن أجلّ مقامات الصديقين و أعلاها الرضى بقضاء اللّه تعالى، و الدعاء ينافى ذلك لأنه اشتغال بالالتماس و الطلب و ترجيح مراد النفس على مراد اللّه تعالى. الشبهة السابعة: الدعاء يشبه الأمر و النهى و يشبه تذكير الساهى و الغافل و يشبه حمل البخيل على الجود و الكرم و كل ذلك من العبد اللئيم فى حضرة الرب الكريم سوء أدب. الشبهة الثامنة: قال صلى اللّه عليه و سلم رواية عن اللّه سبحانه و تعالى «من شغله ذكرى عن مسئلتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» فثبت بهذه الوجوه أن الدعاء لا فائدة فيه.
و قال الجمهور الأعظم من العقلاء: الدعاء أعظم مقامات العبادة، و يدل عليه وجوه. الأول قوله تعالى «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ» «١» و فيه لطائف أحدها: أنه أينما ورد لفظ السؤال فى القرآن جاء عقيبه لفظة (قل) قال تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ» «٢» «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً» «٣» و فى هذا الموضع ترك لفظة قل كأنه سبحانه و تعالى يقول عبدى أنت إنما تحتاج إلى الوساطة فى غير وقت الدعاء أما فى مقام الدعاء فلا وساطة بينى و بينك فأنت العبد المحتاج و أنا الإله الغني، فإذا سألت أعطيتك و إذا دعوت أجبتك. الثانية: أن قوله «وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي» «٤» فهذا يدل على أن العبد له، و قوله: فإنى قريب يدل على أن الرب للعبد. و ثالثها:
لم يقل و العبد قريب منى بل قال أنا منه قريب و هذا فيه سر نفيس فإن العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو لا بد و أن يكون فى مركز العدم و حضيض الفناء، فكيف يكون قريبا؟! بل القريب هو الحق سبحانه و تعالى، و العبد لا يمكنه أن
______________________________
(١) جزء من الآية ١٨٦ من سورة البقرة.
(٢) الآية ١ من سورة الأنفال.
(٣) جزء من الآية ٢٢٢ من سورة البقرة.
(٤) جزء من الآية ١٨٦ من سورة البقرة.