لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٨٥ - الفصل التاسع فى حقيقة الدعاء
يقرب من الحق لكن الحق بفضله و كرمه يقرب إحسانه منه. فلهذا قال «فَإِنِّي قَرِيبٌ» و رابعها: أن الداعى ما دام يبقى خاطره مشغولا بغير اللّه فإنه لا يكون دعاؤه خالصا لوجه اللّه، فإذا فنى عن الكل و صار مستغرقا فى معرفة الأحد الحق امتنع أن يبقى بينه و بين الحق وساطة و ذلك هو معنى القرب، فلذلك قال سبحانه و تعالى «فَإِنِّي قَرِيبٌ».
الحجة الثانية: قوله تعالى «وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» «١» و فى هذه الآية كرامة عظيمة لأمتنا لأن بنى إسرائيل فضلهم اللّه تفضيلا عظيما فقال فى حقهم «وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ» «٢» و قال أيضا «وَ آتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ» «٣» تم مع هذه الدرجة العظيمة «قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ» «٤» و قال الحواريون مع غاية جلالتهم و قولهم «نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ» «٥» لعيسى عليه السلام «هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ» «٦» تم إنه رفع هذه الوساطة عن هذه الأمة و قال مخاطبا لهم «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» و قال «وَ سْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ» «٧» فإن قيل قوله «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» وعد من اللّه تعالى فيلزم الوفاء به و لا يجوز وقوع الخلف فيه، ثم إنا نرى الداعى يدعو فلا يجبه الرب تعالى، و كذا هذا السؤال وارد على قوله تعالى «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ» «٨» فالجواب هذا و إن كان مطلقا فى اللفظ إلا أنه مقيد، فإنه إنما يستجاب من الدعاء ما وافق القضاء؛ و قد قيل أيضا أن الداعى يعوض من دعائه عوضا ما، فربما كان
______________________________
(١) جزء من الآية ٦٠ من سورة غافر.
(٢) جزء من الآيتين ٤٧، ١٢٢ من سورة البقرة.
(٣) جزء من الآية ٢٠ من سورة المائدة.
(٤) جزء من الآيتين ٦٨، ٦٩ من سورة البقرة.
(٥) جزء من الآية ٥٢ من سورة آل عمران، ١٤ من سورة الصف.
(٦) جزء من الآية ١١٢ من سورة المائدة.
(٧) جزء من الآية ٣٢ من سورة النساء.
(٨) جزء من الآية ٦٢ من سورة النمل.